الصفحة 35 من 39

ذكر ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) [1] أن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رأى ابنًا له نائمًا نوم الصبحة، فقال له: قم، أتنام في الساعة التي تقسم فيها الأرزاق؟

ويقول الإمام ابن القيم: (أربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار بالأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره. وأربعة تمنع الرزق:(نوم الصبحة، وقلة الصلاة، والكسل، والخيانة) [2] .

والمراد بجلب الرزق أو منعه: البركة فيه بسبب الأربعة الأولى، ومنعها بسبب الأربعة الثانية، فإن الله تعالى تكفل برزق كافة المخلوقين، كافرهم ومؤمنهم، برهم وفاجرهم، لكن البركة لا ينالها إلا المستيقظون في هذا الوقت، ففي أموالهم بركة لا ينالهم فيها فقر، وفي صحتهم وأوقاتهم وعزائمهم بركات متتالية يُحْرَم منها الكسالى والمفرطون في هذا البكور.

وإن نظرة إلى الواقع الذي نعايشه لترينا صدق هذه الحقيقة، فالذين يبكرون في نومهم ويقظتهم يكونون في صباحهم أكثر نشاطًا، وأقدر على العطاء، أما الذين يؤثرون السهر، ولا يستيقظون إلا متأخرين؛ فإنهم يبدون مرهقين ومتعبين، يمشي الواحد منهم أو يباشر عمله وهو فاغر فاه بالتثاؤب، وتقل رغبته في العمل، ويسعى إلى الهروب منه بأي شكل، وإذا لم يستطع الهروب نام على مكتبه أو في عمله.

وفضلًا عن ذلك؛ فإن السهر يبدد طاقة هامة وهي الطاقة الكهربائية، حيث يضطر الناس إلى إشعال المصابيح في بيوتهم ومحال تجاراتهم لأوقات طويلة، فتتبعثر تلك الطاقة وتتبدد.

ويستثنى من ذلك من تضطرهم ظرروفهم للعمل ليلًا، كمن يوكل إليهم الحراسة بالليل من أجل المصلحة العامة، أو تحتم عليهم ظروف العمل في نوبات يأتي بعضها نهارًا، وبعضها ليلًا، ولكن هذا يبقى في إطار الضرورة، وهي تُقدَّر بقدرها.

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 242) .

(2) زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 412) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت