والواقع يشهد بأن أية مصلحة أخرى يبادر صاحبها إلى فعلها أول النهار يكون النجاح والتوفيق حليفه بدرجة أكبر مما لو فعلها في غير هذا الوقت، وفي هذا يقول العامّة في أمثالهم الشعبية: (كل مائة بدري يخيب فيهم بدري، وكل مائة وخري يصح فيهم وخري) .
ويكفينا أن هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان إذا أراد قتالًا، أو بعث سرية أو جيشًا، أو أنشأ سفرًا، حرص على أن يكون ذلك من أول النهار.
(3) وفي الجانب الأخلاقي نجد أن الذين يبكرون في النوم يفكرون في صلاة الفجر وقيام الليل، ويبدأون في البكور بتقديم ما يحتاجه مجتمعهم من أعمال وخدمات، في حين أن أوقات السهر غالبًا ما تضيع سدى، وعامة من يمارسون العبث واللهو يكون الليل أنسب الأوقات لهم، كأصحاب الحفلات الصاخبة؛ ومتعاطي المخدرات، وفضلًا عن ذلك؛ فإن السهر يبدد طاقة الجسم، ويجهد خلايا المخ، مما يترتب عليه اتصاف صاحبه بالانفعال والعصبية، بعكس من ينامون مبكرين؛ فإنهم يكونون أهدأ نفسًا وأشرح صدرًا.
والخلاصة أن الانسجام والتوافق مع تعاليم الإسلام، التي تجعل الليل للسكن والراحة، والنهار للعمل والسياحة، فيه الخير للفرد والمجتمع على السواء؛ لأنه النظام الذي رتبه الخالق ووضعه بنفسه، فهو أعلم بما يصلح عباده مما يفسدهم، وما ينفعهم مما يضرهم، وهو القائل عن نفسه: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .
نسأل الله أن يوفقنا لما فيه صلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.