الصفحة 38 من 64

بالتقوى ثم يأمرهم أن يتوكلوا عليه في كل شأن من شؤونهم وأمر من أُمورهم. فالتقوى والتوكل على ألله يقترنان في هذه ألآية الكريمة وهما أمران عظيمان عنده سبحانه.

(ألآية 27) (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) )

في هذه ألآية الكريمة ذكر لأبني آدم عليه السلام (هابيل و قابيل) اللذين قربا قربانًا لله فتقبل ألله سبحانه قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل ألذي قال لأخيه لأقتلنك فكان جواب أخيه كلامًا عظيمًا مؤثرًا نافذا إلى القلب (إنما يتقبل ألله من ألمتقين) . وتقوى الله شرط للقبول. وهذا أمر عظيم يجب أن يتنبه إليه كل مؤمن بالله فالتقوى شرط للقبول. يقول سيد قطب: هكذا في براءة يرد ألأمر إلى وضعه وأصله وفي إيمان يدرك أسباب ألقبول , وفي توجيه رفيق للمعتدي أن يتقي ألله و هداية له إلى الطريق ألذي يؤدي إلى ألقبول وتعريض لطيف به لا يصرح بما يخدشه أو يستثيره.

)ألآية 35 )) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))

يقول سيد قطب: فالخوف ينبغي أن يكون من ألله. فهذا هو الخوف أللائق بكرامة ألإنسان. أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة ولا تحتاج إ ليها إلا النفوس الهابطة. والخوف من ألله أولى وأكرم وأزكى. على أن تقوى ألله هي ألتي تصاحب ألضمير في ألسر والعلن , وهي التي تكف عن ألشر في الحالات ألتي لا يراها ألناس ولا تتناولها يد القانون. وما يمكن أن يقوم القانون وحده - مع ضرورته - بدون ألتقوى , لأن ما يفلت من يد ألقانون حينئذٍ أضعاف أضعاف ما تناله. ولا صلاح لنفس ولا صلاح لمجتمع يقوم على القانون وحده بلا رقابة غيبية وراءه , وبلا سلطة إلهيه يتقيها الضمير. إتقوا ألله واطلبوا إليه الوسيلة وتلمسوا ما يصلكم من ألأسباب. وفي رواية عن إبن عباس (رضي ألله عنه) (أي إبتغوا إليه الحاجة) والبشر حين يشعرون بحاجتهم إلى ألله وحين يطلبون عنده حاجتهم يكونون في الوضع الصحيح للعبودية أمام الربوبية , ويكونون بهذا في أصلح أوضاعهم وأقربها إلى الفلاح وكلا التفسيرين يصلح للعبادة ويؤدي إلى صلاح ألقلب وحياة ألضمير وينتهي إلى الفلاح المرجو.

)ألآية46): (( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) )

يقول سيد قطب: فقد آتى ألله سبحانه عيسى ابن مريم ألإنجيل ليكون منهج حياة وشريعة حكم ولم يكن ألإنجيل في ذاته تشريعًا إلا تعديلات طفيفة في شريعة التوراة وقد جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة فاعتمد شريعتها فيما عدا هذه التعديلات الطفيفة وجعل ألله فيه هدى ً ونورًا وهدىً وموعظةً ولكن لمن؟ (( للمتقين ) ). فالمتقون هم اللذين يجدون في كتاب ألله الهدى والنور والموعظة , هم اللذين تتفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور وهم اللذين تتفتح لهم هذه الكتب عما فيها من الهدى والنور , أما القلوب الجاسية الغليظة الصلدة فلا تبلغ إليها الموعظة ولا تجد في الكلمات معانيها ولا تجد في التوجيهات روحها ولا تجد في العقيدة مذاقها ولا تنتفع من هذا الهدى ومن هذا ألنور بهداية ولا معرفة ولا تستجيب. إ ن ألنور موجود ولكن لا تدركه إلا البصيرة المستشرفة و إن الموعظة موجودة ولكن لا يتلقاها إلا القلب الواعي.

(ألآية 57 ) ) ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )) .

في هذه ألآية الكريمة يحذر ألله سبحانه المؤمنين من إتخاذ أهل الكتاب أللذين يستهزؤن بدين ألإسلام والكفار أللذين يكفرون بكل ألأديان , يحذرهم من إتخاذهم أولياء ويقرن كل ذلك بتقوى ألله لأنه لا مساومة ولا مجاملة ولا تساهل مع من يستهزئ بالدين عقيدة وشريعة وتطبيقًا.

(ألآية 65) : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ) .

في هذه ألآية الكريمة دعوة لأهل ألكتاب للإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الدين المصدق لدينهم و عقيدتهم في ألتوحيد و لما جاءت به كتبهم من ألحق وأن يتقوا ألله في كل ذلك ليجعل لهم جزاءً عظيمًا منه سبحانه وهو ألتكفير عن سيئاتهم وأخطائهم و جرائمهم بحق دين ألله ولإدخالهم بعد ذلك في جنات ألنعيم ألتي هي جزاء ألمؤمنين. وواضح في هذه ألآية إقتران ألإيمان بالتقوى لإن ألإيمان وحده لا يكون كاملًا إن لم تقترن به تقوى ألله سبحانه والخوف منه في كل أمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت