الثاني: أن الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه ونحوه، ولو كان التعليل بالحكمة الخفية مما يصح لما احتيج إلى التعليل بضوابط هذا الحكم والنظر إليها لعدم الحاجة إليها، ولما فيه من زيادة الحرج بالبحث عن الحكمة، وعن ضوابطها مع الاستغناء بأحدهما.
الثالث: أن التعليل بالحكمة المجردة إذا كانت خفية مضطربة، مما يفضي إلى العسر والحرج في حق المكلف بالبحث عنها، والاطلاع عليها، والحرج منفي بقوله تعالى ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) (1) غير أنا خالفناه في التعليل بالوصف الظاهر المنضبط لكون المشقة فيه أدنى فبقينا عاملين بعموم النص فيما عداه. (2)
والراجح القول الثالث الذي يقول: إذا كانت الحكمة خفية ، أو مضطربة، امتنع تعليل الحكم بها ، لأن تعليل الحكم بها يؤدي إلى الاختلاف الواسع بين العلماء ، إذ أن بعضهم يدعي تحقيق الحكمة في مسألة ما ، فيثبت لها حكم ما ، تقتضيه ، بينما ينفيها الآخر فلا يثبت لها ذلك الحكم ، ولنضرب لذلك مثلًا بالترخص في السفر الذي هو مظنة المشقة ، فليس كل سفر فيه مشقة ، ولهذا لم يتعلق الحكم فيه بالحكمة لعدم انضباطها.
(1) سورة الحج أية 78 .
(2) المراجع السابقة .