فقد اتضح لنا سابقًا أن وسائل السفر الحديثة لا تؤثر على رخص السفر، فيلزم من ذلك عدم تأثيرها على تحريم سفر المرأة بدون محرم، فتحريم سفر المرأة من غير محرم (1) باق إلى قيام الساعة، وإن تغيرت وسائل السفر وطورت؛ لأن الخوف على المرأة، وتعرضها للفتن، والاختلاط مع الرجال يكون في كل زمان وفي كل مكان، بل أصبح الخوف على المرأة في العصر الحاضر أكثر مما مضى؛ لكثرة الفاسدين، وكثرة الاختطافات للبنات؛ ولأنه يلزم من القول بتأثير وسائل السفر الحديثة على تحريم سفر المرأة بدون محرم، وأنه يباح لها السفر بدون محرم كما قال بعض علماء العصر الحاضر، يلزم من ذلك إلغاء جميع رخص السفر؛ كون المشقة التي كان يعانيها المسافر قديمًا قد زالت بوسائل السفر الحديثة وهذا باطل، لا يقول به أحد من العلماء.
والإسلام لمًّا حرم على المرأة أن تسافر بدون محرم، ليس في ذلك تقييد لحريتها - كما يدعى دعاة تحرير المرأة - وإنما هو تكريم لها، وحفاظ عليها، وصون لكرامتها، وعفتها.
ولأنها موضع فتنة للرجال، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم
(ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) . (2)
ومع كونها فتنة للرجال، فهي ضعيفة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها إذا اعتدى عليها، فلا بد من وجود محرم معها، يدافع عنها، ويحفظها، ويصون كرامتها من عبث العابثين.
(1) ضابط المحرم عند العلماء، من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، أي نسب أو رضاع أو مصاهرة، فخرج بالتأبيد زوج الأخت، و زوج العمة، وخرج بالمباح أم الموطوءة بشبهة، وبنتها، وخرج بحرمتها الملاعنة، انظر فتح القدير 2/ 330، ومغني المحتاج 1/ 681، والمغني لابن قدامة 5/ 32.
(2) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب ما يتقي من مشئوم المرأة، صحيح البخاري بشرح فتح الباري 9/ 137، والبيهقي في باب ما يتقي من فتنة النساء، سنن البيهقي 7/ 91.