أما في عصرنا الحاضر ، فإن وسائل السفر أصبحت مريحة ، وسريعة ، فالمسافة التي كانت تقطع في زمن طويل أصبحت تقطع في زمن قصير ، بل أصبحت تقطع في ساعات قليلة .
ويرد على هذا الاعتراض ، بأن السفر من حيث هو يشعر فيه المسافر بالفرقة عن الأهل تجعله دائمًا في تفكير مستمر وهم دائم ، وإن كان يقطع المسافة الطويلة في زمن قصير ، وفي وسيلة مريحة ، وذلك ، لأن مفارقة الإنسان لمن يألفهم ويألفونه يجعله من الصعب أن يألف غيرهم ، وخاصة إذا كان من فارقهم أهله وعشيرته .
وقد سئل إمام الحرمين الجويني حين جلس موضع أبيه ( لم كان السفر قطعة من العذاب ؟ فأجاب على الفور ، لأن فيه فراق الأحباب ) (1) فالسفر أيا كانت وسيلته غالبًا ما تصحبه المشقة والتعب ، وقد تكون المشقة بدنية ، وقد تكون نفسيه ، وذهنية ، وكانت المشاق البدنية في الزمن الأول هي الغالبة، وفي العصر الحاضر صارت المشاق النفسية ، والذهنية ، هي الغالبة ، نظرًا لما اقتضته ظروف الحياة من صعوبة الإجراءات في الحل والترحال والإقامة، وفي المطارات ، وبوابات الدخول والخروج وحجز الطائرات ، وبيوت الإقامة والفنادق الخ … فما ينتهي المسافر من أمر إلا ويشغل باله أمر أخر بعده ، فاقتضت الحكمة أن يكون له التخفيف من الله تعالى برخص السفر.
ثانيًا: فوائد السفر
على الرغم مما قيل في الترهيب في السفر وأنه قطعة من العذاب ، لما يلقاه المسافر من مشاق ومتاعب ، إلا أن فيه فوائد كثيرة ، نذكر أهمها في الآتي:
التعرف على آيات الله في أرض الله الواسعة واختلاف تكوينها ، وحرها وبردها ، وبحارها ، وأنهارها ، وفوارق ليلها ، ونهارها .
قال تعالى ( والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) (2)
وقال تعالى ( أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزًا ) (3)
(1) فتح الباري لابن حجر العسقلاني 3/624.
(2) سورة الذاريات آية (48) .
(3) سورة النمل آية (61) .