وقبل أن نبدأ، نرى أنه من المهم أن نُعيد التأكيد على حكم الجهاد اليوم، وأنه فرض عين [7] على كل مسلم - بما يستطيع وبما هو الأنكى لمثله في العدو الصائل - فنقول:
الجهاد في الأوضاع الطبيعية للأمة المسلمة - وذلك حين تكون منصورة قاهرة لعدوها - فرض كفاية، لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [8] ، وهو قول الأكثر من العلماء، ومنهم من قال؛ هو فرض عين.
قال الإمام أبو محمد البغوي في تفسير قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [9] : (وجرى بعضهم على ظاهر الآية، وقال؛ الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة ... وقال قوم - وعليه الجمهور -؛ إن الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين) [10] .
وقول العلماء؛"إن الجهاد فرض كفاية"، لا يعني أن تاركه على وجه الدوام يسلم من الإثم والذم، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه؛ مات على شعبة من نفاق) ، وتحديث النفس لا يكون بالتمني فحسب! قال سبحانه: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [11] .
قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان: (والمراد بـ"تحديث النفس"في هذا الحديث؛ هو العزم الصادق، والنية الجازمة في جهاد أعداء الله تعالى، وكف بغيهم وعدوانهم عن المسلمين ومقدساتهم وشعائرهم الدينية، وليس معنى"تحديث النفس"بذلك؛ أن يخادع نفسه، ويحدثها عن الجهاد، ولو طلب منه ذلك لأبى) [12] .
أما حكم الجهاد في الأحوال الإستثنائية، فهو فرض عين على كل مسلم - بما يستطيع - وتلك الحالات الاستثنائية؛ أربع.
يقول ابن قدامة المقدسي رحمه الله: (ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع؛ أحدها؛ إذا التقى الزحفان وتقابل الصَّفان، حَرُمَ على من حضر الانصراف وتعيَّن عليه المقام ... الثاني؛ إذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم. الثالث؛ إذا استنفر الإمامُ قومًا لزمهم النفير معه) [13] .
وقد ذكر العلامة حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله الإجماع على تعين الجهاد في هذه الحالات، فقال: (وقد أجمع علماء الأمة قديمًا وحديثًا على أن الجهاد يكون فرض عين في ثلاث حالات ... ) ثم ذكرها رحمه الله [14] .
وقال العلامة عبد القادر بن عبد العزيز فك الله أسره بعد نقل كلام ابن قدامة رحمه الله السالف: (ويتضح من هذا؛ أن الجهاد يكاد أن يكون فرض عين على جميع المسلمين الآن، خاصة الموضع الثاني - إذا نزل الكفار ببلد - فمعظم بلدان المسلمين الآن يحكمها ويتسلط عليها الكفار، إما مستعمر أجنبي كافر وإما حكومة محلية كافرة، وإذا تعين الجهاد فإن تركه يكون من الكبائر للوعيد الوارد فيه، بل من السبع الموبقات بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم) [15] .
وزاد بعض العلماء حالة رابعة يصبح فيها الجهاد فرض عين، وهي وقوع أسرى مسلمين بأيدي الكافرين حتى يستنقذ المسلمون أسراهم من الكافرين.
قال ابن حجر الهيتمي: (ولو أسروا مسلمًا؛ فالأصح وجوب النهوض إليهم فورًا على كل قادر - ولو نحو قن [16] بغير إذن، خلافًا لبعضهم - لخلاصه إن توقعناه، ولو على ندور، فيما يظهر؛ وجوب عين، كدخولهم دارنا، بل أولى؛، لأن حرمة المسلم أعظم) [17] .
وتَرِد هنا شبهة يكثر من ترديدها منافقو عصرنا، وهي؛"إن القول بعينية الجهاد على كل المسلمين يؤدي إلى عملية تفريغ للبقاع الإسلامية!"، وقد رد على هذه الشبهة جمعٌ من علماء المسلمين قديمًا وحديثًا.
ونؤكد هنا؛ أنه ليس معنى قول العلماء بعينية الجهاد على كل المسلمين لنصرة مسلمي العراق أو فلسطين - مثلًا - أن العلماء يريدون من"مليار مسلم"أن ينفروا إلى العراق، كما يُلبس منافقوا هذا الزمان ويشغبون به على أهل الحق، بل معنى ذلك؛ أن إثم ترك الجهاد واقع على كل من لم ينفر من هذا المليار حتى تحصل الكفاية بالمسلمين النافرين ويتمكنوا من طرد العدو الصائل.
يقول ابن عابدين: (نقل صاحب النهاية عن الذخيرة؛ أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصير فرض عين على من يقرب من العدو، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية عليهم، حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان يقرب من العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين - كالصلاة والصوم - لا يسعهم تركه، ثم، وثم، إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقًا وغربًا على هذا التدريج، ونظيره الصلاة على الميت، فإن من مات في ناحية من نواحي البلد فعلى جيرانه وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه وليس على من كان يبعد من الميت أن يقوم بذلك، وإن كان الذي يبعد من الميت يعلم أن أهل محلته يضيعون حقوقه أو يعجزون عنه كان عليه أن يقوم بحقوقه، كذا هنا) [18] .
ويقول شيخنا أسامة بن لادن حفظه الله ردًا على هذه الشبهة: (وهذه كلمة حق, ولكن لم يرد بها الحق, فالجهاد لا يمكن أن يستوعب جميع الأمة اليوم، ودفع العدو الصائل يندفع بجزء يسير جدًا من الأمة، هذا حق, ولكن يبقى الحكم أنه فرض عين, وهم يخالفوننا في إطلاق هذا الحكم ... ويقولون؛ ليس من المعقول أن نترك كل الثغرات وكلنا نذهب للجهاد! فمن هنا يظهر بوضوح لوثة العصر, وهي اللوثة المادية - لوثة بروز العقل - فهذه أحكام أجمع عليها الفقهاء من سلف الأمة رحمهم الله، واليوم يخرج علينا فقهاء يعترضون على إجماع الأمة, إذا تعين الجهاد فهو أولى الأولويات بدون شك كما ذكر شيخ الإسلام, فدفع العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه. فليس هناك وجه في أن تقول؛ إذا ذهبوا جميعهم لم يستوعبهم الجهاد! هذا ناتج عن خلل غير عادي في الفقه, وهو ناتج عن ركون إلى الدنيا غير عادي, فالأمر إذا تعين؛ مجرد أن يأتي العدد الذي يكفي لدفع العدو الصائل يصبح تلقائيًا الجهاد فرض كفاية, فيبقى الباقون الذين تأخروا في ثغورهم وتندفع الضرورة بهذا التحرك) [19] .
والآن إلى الوقفات ...
[7] قال محمد أبو زهرة: (ينقسم الواجب من حيث تعين من يؤديه وعدم تعينه إلى قسمين؛ واجب عيني وواجب كفائي. فالواجب العيني؛ هو الذي يوجه فيه الطلب اللازم إلى كل واحد من المكلفين بعينه، بحيث إذا تركه هو آثم، واستحق الذم ... والفرض الكفائي؛ هو الفرض الذي يكون المطلوب فيه تحقيق الفعل من الجماعة، فإذا وقع الفعل من البعض سقط الإثم عن الباقين، ولا يستحق أحد ذمًا، وإن لم يقم به أحد اثم الجميع) [أصول الفقة: ص 35 - 36] .
[8] سورة التوبة: 122
[9] سورة البقرة: 216
[10] معالم التنزيل: ج1 / ص133 - 134
[11] سورة التوبة: 46
[12] فتوى في توجيه الأمة في هذه الأحداث ووجوب الإعداد لوقف زحف الصليبيين، بتاريخ؛ 16/ 1/1424 هـ
[13] المغني: ج10 / ص365.
[14] فتوى عن حكم الجهاد واستئذان الوالدين، بتاريخ؛ 13/ 6/1422 هـ
[15] العمدة في إعداد العدة.
[16] أي عبد مملوك.
[17] تحفة المحتاج: ج9 / ص237
[18] حاشية ابن عابدين: ج4/ ص124
[19] توجيهات منهجية"1"، إصدار منبر التوحيد والجهاد.