والله قد مسخت على الأبدانِ ... سفر: (اعتقد أن أي انسان خارج العراق لا يحق له المشاركة، حتى العلماء لا يتكلمون في هذا إلا علماء العراق بالدرجة الاولى ... ) .
زعم"سفر"أنه لا يحق لمن لم يكن عراقيًا أن يشارك في قتال الكافر الصائل في العراق، ولا يحق حتى للعلماء الحديث عن العراق ... بل كل ذلك يخص"العراقيين"وحدهم!
ولا شك أن هذا الحكم لا يستند إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ... وإنما يستند إلى معاهدة"سايكس/بيكو"التي وقعتها"بريطانيا"و"فرنسا"، والتي قسمت الأمة المسلمة بموجبها إلى دويلات، ووضعت تلك الحدود والجنسيات ... بعد سقوط"الدولة العثمانية"وإلغاء نظام"الخلافة".
ولا شك أيضًا أن المسلم الذي ينطلق ويبني مفاهيمه على أسس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يكفر بتلك الجنسيات والحدود وبالمعاهدات التي خطتها، قال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [41] .
ويقول صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم) [42] .
ورحم الله شهيد القرآن سيد قطب يوم قال: (جنسية المسلم عقيدته) [43] .
ومما قاله موضحًا حقيقة العلاقة بين المسلمين، وانها أبعد من تلك الحدود التي رسمها الصليبيون، وفوق الجنسيات التي وزعها المستعمر على أبناء الأمة الواحدة، والتي رسَّخت مفهومها في عقول الكثير منهم الأنظمةُ المرتدة: (والعقيدة هي الوشيجة الأولى التي يتلاقى عليها الناس في الإسلام، حين لا يلتقون على نسب ولا أرومة ولا جنس ولا أرض ... فالإنسان في نظر الإسلام إنسان بروحه ... ومن ثم فهو يتلاقى على العقيدة أخص خصائص الروح فيه، ولا يلتقي على مثل ما تلتقي عليه البهائم؛ من الأرض والجنس والكلأ والمرعى والحد والسياج ... والجماعة المسلمة والجيل المسلم والأجيال المسلمة؛ من وراء حدود الزمان والمكان، ومن وراء فواصل الدم والنسب والقوم والجنس، ويتجمعون أولياء بالعقيدة وحدها ... وهذه الصورة هي أرقى صورة للتجمع الإنساني، تليق بالكائن الإنساني، وتميزه من القطيع ... والبشرية إما أن تعيش كما يريدها الإسلام؛ أناسي تتجمع على زاد الروح وسمة القلب وعلامة الشعور، وإما أن تعيش قطعانا خلف سياج الحدود الأرضية، أو حدود الجنس واللون، وكلها حدود مما يقام للماشية في المرعى كي لا يختلط قطيع بقطيع!) [44] .
ونحن نطرح عدة أسئلة ليتفكر بها أتباع"سفر"المغرر بهم، فنقول ...
بناء على الفكر المنكوس الذي يبشر به"سفر"وتياره الإنهزامي، على أي أساس هاجر أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه إلى المدينة وشارك مسلمي المدينة في فتح خيبر! بل وأصاب من مغانمها ... حتى قال: (افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط) [45] ، ومثل هذا السؤال نطرحه عن كل صحابي مهاجر شارك أهل المدينة في القتال دفاعًا عنها أو انطلاقًا منها لضرب القوى المتربصة بها! .. ونذهب أبعد من هذا ونسأل؛ بأي حق حرر صلاح الدين الأيوبي القدس، ولم يكن يحمل"الجنسية المقدسية"أصلًا؟!
ولعله من المفيد هنا أن نذكر بعض أقوال علماء المسلمين والتي تبين حكم نفير المسلمين عامة لقتال الصائل في العراق؛
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: (إذا دخل العدو بلاد الإسلام؛ فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة) [46] .
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ( ... أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثًا لهم) [47] .
وقال البغوي رحمه الله: (ففرض العين؛ أن يدخل الكفار دار قوم من المؤمنين، فيجب على كل مكلف من الرجال، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروج إلى عدوهم، حرًا كان أو عبدًا، غنيًا كان أو فقيرًا، دفعًا عن أنفسهم وعن جيرانهم، وهو في حق من بعد منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار) [48] .
هذه هي أقوال العلماء في حكم نفير المسلمين لقتال الصليبين في أرض العراق، أما على قول منافقي زماننا؛ فلا يحق للمسلم من خارج العراق أن يشارك إخوانه من مسلمي العراق في دفع الصائل؛ قبل أن يتقدم أولًا بطلب"الجنسية العراقية"من"حكومة الاحتلال"أو من"فيلق بدر"!
تبًا لهاتيك العقول فإنها
الآثارِ والأخبارِ والقرآنِ [49] ... تبًا لمن أضحى يقدمها على
أما دعوى؛ أن لا حق للعلماء من خارج العراق في الحديث عن"نازلة العراق"... فهذه دعوى يردها"سفر"نفسه! إذ حتى ساعة كتابة هذا المقال أصدر منافقوا عصرنا يتقدمهم"سفر"عشرات البيانات والفتاوى عن نازلة العراق، تحدثت عن كل شيء، من احتجاز الرهائن إلى الانتخابات ... بل وبعد هذه المقابلة بأيام قليلة أصدر"سفر"بيانًا بعنوان؛"العراق والفتنة الطائفية"!
فهل حصل"سفر"على"الجنسية العراقية"قبل إصداره لتلك البيانات وقبل أن"يحشر أنوفه"في تلك النازلة؟! .. ربما!
[41] سورة الحجرات: 10.
[42] رواه الإمام أحمد.
[43] هذا عنوان فصل من كتابه؛ معالم في الطريق.
[44] في ظلال القرآن.
[45] متفق عليه.
[46] الفتاوى الكبرى: ج4 / ص608.
[47] المحلى: ج7 / ص292.
[48] معالم التنزيل: ج1/ ص685.
[49] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، لابن القيم.