قال الإمام النووي رحمه الله:
اعلم أن الكذب، وإن كان أصله محرمًا، فيجوز في بعض الأحوال بشروط قد أوضحتها في كتاب «الأذكار» ومختصر ذلك: أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يمكن تحصيله إلا بالكذب، جاز الكذب، ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا، كان الكذب واجبًا، فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله، أو أخذ ماله وأخفى ماله، وكذا لو كان عنده وديعة، وأراد ظالم أخذها، وجب الكذب بإخفائها، والأحوط في هذا كله أن يوري ومعنى التورية: أن يقصد بعبارته مقصودًا صحيحًا ليس هو كاذبًا بالنسبة إليه، وإن كان كاذبًا في ظاهر اللفظ، وبالنسبة إلى ما يفهمه المخاطب، ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب، فليس بحرام في الحال.
واستدل العلماء لجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم رضي الله عنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليس الكذب الذي يصلح بين الناس فينمي [1] خيرًا أو يقول خيرًا» متفق عليه [2] .
(1) فينمي خيًرا بفتح أوله، أي: يبلغ خيرًا.
(2) البخاري (5/ 220) ومسلم (2605) وأخرجه أبو داود (4921) والترمذي (1939) .