الصفحة 17 من 35

وعن أبى ذر وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعًا، وباب من العلم نعلِّمُهُ عُمِلَ

به أو لم يُعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعًا [1] .

قال الإمام بدر الدين بن جماعة رحمه الله تعالى بعد ذكره لهذه الآثار السابقة:

وقد ظهر بما قلناه أن الاشتغال بالعلم لله أفضل من نوافل العبادات البدنية، من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك، وذلك لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادات فهى تفتقر إليها وتتوقف عليها ولا يتوقف هو عليها، ولأن العلماء ورثة الأنبياء وليس ذلك للمتعبدين، ولأن طاعة العالم واجبة على غيره فيها، ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيرها من النوافل تنقطع بموت صاحبها، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة [2] .

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (تعلموا العلم تعلموا العلم فإن تعلُّمه لله ـ أي مخلصًا به ـ خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة ـ أثمن هدية ـ وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير في السرَّاء والضراء، والوزير عند الإخلاء, والقريب عند القرباء، هو منار سبيل الجنة، يرفع الله به أقوامًا يجعلهم في الخير قادة وسادة، يُقتدى بهم، يدل على الخير، وتقتفى به آثاره، يجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين، يسبِّح لك كل رَطْبٍ ويابس، تستغفر لك حتى الحيتان في البحر، وهوامُّ السِباع في البَر، به يطاع الله عزَّ وجل ـ وبه يُعْبَد الله عزَّ وجل، وبه يوحَّد الله عزَّ وجل، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل، وبه يتورَّع الإنسان ـ يكون ورعًا ـ وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام. هو إمام العمل يلهمه السُعداء ويحرم منه الأشقياء) [3] .

وقال ابن عباس وأبو هريرة رضى الله عنهما: تذاكر العلم بعض ليلة أحب إلينا من إحيائها.

وقال بعض السلف: إذا أتى على يوم لا أزداد فيه علمًا يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لى في شمس ذلك اليوم.

وقال ابن مسعود رضى الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه هلاك العلماء، فوالذى نفسى بيده ليودن رجال قتلوا في سبيل الله شهداء أن يبعثهم علماء، لما يرون من كرامتهم، وإن أحدًا لم يولد عالمًا، وإنما العلم بالتعلم.

وقال عمر رضى الله عنه: موت ألف عابد أهون من موت عالم بصير بحلال الله وحرامه. ووجه قول عمر، أن هذا العالم يهدم على إبليس كل مايبنيه، بعلمه، وإرشاده، وأما العابد، فنفعه مقصور على نفسه [4] .

وقال على رضى الله عنه: العالم أعظم أجرًا من الصائم القائم الغازى في سبيل الله.

(1) - تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم (69 - 72) تحقيق عبد السلام عمر على - طبعة مكتبة ابن عباس بالمنصورة.

(2) - المرجع السابق: (72 - 73) .

(3) - هذا الأثر ذكره الإمام ابن عبد البر رحمه الله في كتابه جامع بيان العلم وفضله (77، 78) موقوف على معاذ ولا يصح رفعه.

(4) - مفتاح دار السعادة: ص 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت