فاستمسك بهذا الأصل الكبير فإنه نافع في مسائل كثيرة، ويمكن أن تطبق عليه كثيرا من الجزئيات والأنواع والأفراد الواقعة والتي ستقع ولا يقصر فهمك عنه فيفوتك علم كثير.
وربما ظننت أن كثيرا من الأشياء التي لا تجد لها تصريحا في كلام الشارع بدع لا يعتمد عليها ولا يعول في الأمور عليها، فتخالف [1] الشرع والعقل والفطرة، بل لا تتمكن من العمل إلا بسلوك ذلك الأصل الشرعي.
فإذا فهمت هذا الأصل، فقد علم وتقرر أن أهل البلد الذين يجرون على الأحكام الشرعية في صومهم وفطرهم وعباداتهم، وعندهم قاض شرعي، متى ثبت عندهم بالطريق الشرعي ثبوت صيام رمضان أو وجوب الفطر منه، لم يدر عن هذه الطريق التي ثبت فيها الحكم الشرعي إلا من مباشرها، من قاض ومن اطلع على حكمه وعاينه، والباقي من أهل القطر، بل من أهل البلد، إنما يصل إليهم الخبر بما يثبت به الخبر من إشاعة وقالة يتناقلونها فيما بينهم، أو نداء ينادون به أو يرمون ببواريد أو مدافع ليصل الخبر إلى القريب والبعيد، فهذا عمل متصل في قرون هذه الأمة معمول به من غير نكير من أحد.
فعلم بهذا أنه من الأمور المجمع عليها المتفق على العمل بها، وتخلف العمل في بعض أفرادها لمانع في الخبر، لا لضعف في هذه الطريق.
وأيضا فإن الاستفاضة في الأخبار من جملة الطرق
الشرعية التي تفيد صدق مخبرها، حتى إن الفقهاء ـ رحمهم
الله ـ جعلوا شهادة الشاهد تارة تبني على ما يراه ويسمعه،
وتارة تبنى على ما يستفيض بين الناس من الأمور التي يتعذر ويتعسر
(1) - أي فتخالف أنت العقل والشرع.