أليس الذي أعطاه هذا وغيره، أولى وأعظم وأقدر على كل شيء؟ أليس هذا من البراهين الحسية على سعة علمه وكمال قدرته؟ وأنه يحي الموتى ويجمع رفاتهم من بطون الأرض وظلمات البحار ومهامه القفار؟ وأن هذا ليس محلا للاستبعاد والاستغراب على قدرة الملك الخلاق، بعدما شاهد صدور هذه الأمور المستبعدات غاية البعد، بل المستحيلات في أنظار وأفكار الآدميين منذ أجيال عظيمة.
أليس الذي أعطى الآدمي الناقص من كل وجه هذا العلم والقدرة الذي حصلت بها هذه الأشياء، أولى بذلك؟ وله المثل الأعلى، أليس الذي جعل مواد الكهرباء وعناصر هذا العالم الأرضي منقادة للآدمي مسخرة له يستعملها فيما يريد من إيصال الأصوات والأنوار إلى أماكن بعيدة، وحمل الأثقال وتسهيل الصعاب، وما شابه ذلك؛ ألا يدل ذلك [1] أن الله على كل شيء قدير؟ وبكل شيء محيط؟ وأنه واسع الرحمة؟ حيث أن رحمته وسعت كل شيء وتنوعت للآدمي بحسب مطالبه ومآربه، وأن خلق العباد وبعثهم عنده كنفس واحدة، كما يرزقهم ويدبرهم بأنواع التدابير التي لا تحيط بها العقول، في ساعة واحدة.
وأنه لا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) [2] وأن (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ
(1) - كذا بالأصل، ولعل المقصود ألا يدل ذلك على أن الله ..
(2) - سورة لقمان آية 27.