فهرس الكتاب

الصفحة 366 من 389

لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) [1] وأن له من العظمة والكمال والمجد والجلال ما لم يصل إلى علمه والإحاطة ببعضه الأولون والآخرون، وأن الخلق مهما ارتقت معارفهم واتسعت علومهم فإنهم لا يحيطون بشيء من صفاته، وأن الذي أوصل الآدمي إلى هذه الأحوال العجيبة هو الإله الحق الذي لا تصلح العبادة والتوجه والتأله إلا له، لأنه ليس بالعباد نعمة كبيرة ولا صغيرة ظاهرة وباطنة إلا منه، ولا يدفع الشرور إلا هو، وهو الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات، لا إله لا إلا هو العزيز الحكيم.

وهذه المخترعات المدهشة التي علمها الله العباد هي أيضا من أكبر البراهين والحجج في هذا الوقت، حيث طغى الإلحاد، وزخر الماديون المنكرون لغير المحسوسات التي يعرفون موادها وكنهها، وأما سوى ذلك من أمور الغيب التي أخبر الله بها وأخبرت بها رسله، فكابروا في تكذيبه وإنكاره، فهلا جعلوا ما مضى من الأزمنة نصب أعينهم ثم فرضوا في تلك الأزمان أنهم أخبروا بوجود هذه المخترعات المدهشة في هذا الزمان، وأن الآدمي سيدرك علمها وصنعتها، فإنها إذا مرت أو بعضها بخواطرها [2] اعتبروها خيالات جنون، وفرض محال، وأنها أمور ممتنعة، ورأوا الحديث عنها من ألاعيب الصبيان والمجانين.

ثم لم يفتأ الليل والنهار حتى جاءهم ما (أرهقهم) على الاعتراف بذلك والإذعان، وطفقوا يسعون أيضا لترقيتها، وأنه في الإمكان مضاعفتها أضعافا كثيرة، وابتكار أعمال مثلها أو فوقها هم لها عاملون، فخضعت علومهم لقدرة الإنسان الذي علمه الرحمن ما لم يعلم، فهلا اعترفوا وأذعنوا لملك

الملوك وكامل القدرة وعظيم السلطان، الذي إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، وهلا أذعنوا لتصديق رسله وكمل خلقه وخواص عباده الذين ارتقوا في علية الأخلاق وكمال الأوصاف (وعلو) الأرواح وزكاة القلوب وصدق الأقوال والأعمال والأحوال، مرتقى أعظم وأعلى مما بين العالم العلوي والسفلي، وأعظم من نسبة الصناعات القديمة الساذجة الناقصة إلى المخترعات الحديثة الهائلة.

فالفرق بين أخلاق الرسل وأخلاق غيرهم وأوصافهم أبلغ من هذا الفرق، فإن الأمور المرتقية في المادية البحتة لا نسبة لها إلى لرقي الأرواح والقلوب والأخلاق الرقي الصحيح، ولكن الظالمين في شقاق بعيد ومكابرة، وليعلمن نبأه بعد حين.

وإنما لم يصرح القرآن والسنة بتفاصيل ذلك؛ فإنه من جملة الأدلة على رحمته وعنايته بعباده وتمام حكمته وسعة علمه، فإنه لو صرح بهذه الأمور وأخبر الناس أنه سيأتي وقت يطير الناس فيه بالهواء، ويغوصون في البحار، ويتخاطبون من الأماكن الشاسعة، ويخترعون الأمور الهائلة، لكان في ذلك أعظم فتنة لأعداء الدين الإسلامي وأوليائه، لأن النفوس مولعة بعدم التصديق بما لم تشاهد له نظير، وخصوصا أهل الكفر والتكذيب فإنهم مولعون بتكذيب الأنبياء، ويفرحون إذا وجدوا ما يروجون به على الناس مثل هذه الأمور المستغربة.

فمن لطف الله أنه ذكر هذه المخترعات بألفاظ عامة، ليست صريحة بالتفاصيل لئلا يفتتن الناس، حتى إذا وقعت وجاء تأويلها تمكن البصير من تطبيقها عليها، وعلم أنها من أكبر البراهين على صدق القرآن وصدق من جاء به.

وقد ذكرنا في التفسير هذا المعنى على قوله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ) [3] وأنه حصل بإخبار النبي صلى الله عليه

(1) - سورة الأنعام آية 59.

(2) - كذا في الأصل، ولعلها بخواطرهم.

(3) - سورة الإسراء آية 60، وانظر كلام الشيخ في التفسير عند هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت