وبما أن البحث العلمي يعنى بدراسة الظواهر والمشكلات في شتى مجالات الحياة، وتقديم الحلول وأساليب الحياة الإنسانية لها، وبما أن إنسان اليوم يتطلع إلى ما يقدمه العلم من خيارات من منطلق الإيمان بأهميته في دفع مسيرة التقدم والتطور، محاولا التمييز بين العلم النافع والعلم الضار، وكيف يمكن أن يشكل ذلك تحديًا كبيرًا في صياغة تفكيره، الأمر الذي يتطلب منه التوقف إزاء نوعية العلم والمعارف وتقييمها.
يؤكد ذلك النجار (160:1990) حين يقول:"لا شك أن العلم النافع هو كل معرفة تزيد الإنسان صلة بالله، وتمكنه من القيام بواجبات خلافته في الأرض، وعمران الحياة فيها وإقامة العدل الإلهي بين الناس، فالعلم في الإسلام مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق، فتسخير العلم من صنع القنابل الذرية والنووية والجرثومية وغيرها من أسلحة الدمار اللاأخلاقية ليست من العلم النافع، وأجهزة التجسس والتصنت لكشف عورات الناس والمجتمعات لا تدخل في إطار العلم النافع، فالعلم في الإسلام مرتبط بالعمل الصالح، فهو ليس ترفًا ذهنيًا معزولًا عن الحياة ومشاكلها، لأن ذلك يخرجه عن إطار النافع".
حمل هذا المفهوم اركون (153:1988) حين قال:"إن الإسلام ينظر إلى البحث العلمي والتفكر كواجب على المسلم القيام به، فالقرآن يحث المؤمنين بإلحاح على"النظر"في العوالم المخلوقة من أجل أن يقيسوا مدى عظمة الله وجبروته، فالمعرفة العلمية بالطبيعة والكواكب والسماوات والأرض والحيوان والنبات لا تفعل إلا أن تزيد من إيمان المسلم وتقويته، كما أنها تضيء له الإشارات الرمزية والعلامات الواردة في القرآن".
وفي ظل غياب استراتيجية بحثية للدول العربية خاصة والإسلامية عامة سيظل البحث العلمي وتطوره يمثل تحديًا قويًا وعقبة كأداء أمام تطور مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة التربوية، والتي يمثل المعلم أحد أركانها الأساسية، يوضح محمد (1997: 102،103) أنه في إحدى الدراسات يشير صاحبها إلى"أن أي مهتم بالشؤون العربية في وقتنا الراهن لا يستطيع أن يتجاوز الإحساس بالقلق ومحدودية التفاؤل وهو يرى شعوب الدنيا من حوله تتسابق إلى استخدام عقولها وتسخير البحث العلمي لاستشراف المستقبل والإعداد له، بينما يعاني البحث العلمي في الوطن العربي من الضعف النسبي مقارنة بما هو قائم في الدول المتقدمة وبعض الدول النامية .. وهو ما يشكل غياب إستراتيجية بحثية على المستوى القومي تتحرك داخلها مؤسسات البحث التربوي المختلفة، مما أدى إلى الاهتمام فقط بالمشكلات الآنية التي يعاني منها"