على ما تبديه الأنفس وما تخفيه. {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [1] {قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ} [2] وكفى بالله محاسبًا للمرء على أعماله، فهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف داره.
ويحضرني الآن قصة لامرأة مؤمنة، في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقد أصدر أمير المؤمنين تعليماته للمسلمين، بأن لا يضيفوا إلى اللبن ماء، عند إرادتهم بيعه للناس، وسرى الأمر بين المسلمين، والتزموا به، وأثناء تجوال أمير المؤمنين في نواحي المدينة ليلًا، سمع الحوار التالي بين أم وابنتها:
-الأم: هيا يا ابنتي، أحضري ماء لنسكبه على اللبن حتى يكثر، فإن حصيلة الليلة قليلة.
-البنت: ولكن يا أماه، ألم تعلمي أن أمير المؤمنين، أمر الناس بأن لا يضيفوا الماء على اللبن، وأن يبيعوه غير مخلوط؟
-الأم: وأين أنت من عمر؟ إنه لا يرانا الآن، هيا قومي وأحضري الماء.
-البنت: يا أماه إذا كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا.
هكذا ربى الإسلام أتباعه.
وهكذا يجب أن يكون المؤمن، في مراقبته لله سبحانه وتعالى، في سره وعلانيته، ولقد أحسن الشاعر في قوله:
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفي عليه يغيب
ولقد كان من المعاني السامية التي يغرسها الإسلام في نفوس المؤمنين، أن المرء محاسب على عمله الموكل إليه، وأنه مسؤول أمام الله عنه يوم القيامة، مهما كان العمل صغيرًا أو كبيرًا .. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، ومن أخذ الأجر حاسبه الله على العمل {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [3] .
وكفى بالله حسيبًا.
وهنا ناحية هامة يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن الإنسان ليس ملكًا لنفسه، بل مملوك لعمله أثناء تكليفه به.
ومن قصر أو اختلس شيئًا من جهده أو وقته لغير صالح العمل، فإنه يعتبر غاشًا لنفسه وللمسلمين، وغالًا لهم {وَمَن يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [4] وقد ورد في الحديث أن الغال [5] أو الغادر بمصالح المسلمين، ينصب له يوم القيامة لواء بين الخلائق، ويقال هذه غدرة فلان، فيكون مفضوحًا أمام الخلائق يوم
(1) سورة غافر آية 19
(2) سورة آل عمران آية 29
(3) سورة النساء آية 86
(4) سورة آل عمران آية 161
(5) الغلول: الأخذ من مال المسلمين بغير حق