الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ، فَإنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللّهُ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال:9] [1] .
وقد اشتمل هذا الحديث على عدة آداب من آداب الدعاء:
أولها: استقبالُ القبلة.
ثانيها: رفع اليدين [مادًّا يديه] .
ثالثها: [التضرّع] هتافُه بربه.
رابعها: الإلحاح [فما زال يهتف بربه] .
خامسها: حضورُ قلبِه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى عندما سقط رداؤه لم يشعر به، بل ردّه عليه أبو بكر - رضي الله عنه -.
هذا وهو المؤيد بالوحي المأمور بغزو القوم:"أغزهم نُغْزِكَ، وأنفق فَسَنُنْفق عليك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتِل بمن أطاعك من عصاك" [2] .
ومع ذلك لم يعتمد علىذلك، وإنما ألحّ على الله وكرر الدعاء وهتف بربِّه.
بمعنى أن يسأل الداعي ربَّه وهو جادٌ في سؤاله، يسأله مسألة المسكين، ويبتهل إليه ابتهال المذنب الذليل؛ ولا يسأله مسألة من يُجرِّب، وكأنه يمتحن ربّه.
قال البيهقي - في فصول في الدعاء: ومنها أن يكون دعاؤه سؤالا بالحقيقة لا اختبارًا لربه جل ثناؤه ... ومنها أن يَعزم المسألة [3] .
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أَنّ رَسُولَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت. اللهم ارحمني إن شئت ليعزم في الدعاء، فإن الله صانعُ ما شاء لا مُكره له [4] .
(1) - تقدّم تخريجه (ص 14)
(2) - مسلم. كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/ 2197) . ومعنى: نُغْزِك: أي نُعينك.
(3) - شعب الإيمان (2/ 43 - 45) .
(4) - رواه البخاري. كتاب الدعوات. باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له (7/ 153) . ورواه مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (4/ 2063) والرواية الثانية في الموضع نفسه.
وحديث أنس - الآتي بعده - في الموضعين نفسيهما.