وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه: إعمل لله كأنك تراه، واعدد نفسك مع الموتى، وإياك ودعوات المظلوم؛ فإنهن يصعدن إلى الله عز وجل كأنهن شرارات نار [1]
كما حذّر من دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فقال: اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا؛ فإنه ليس دونها حجاب [2] .
وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سافر يتعوذ من: وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحَوْرِ بعد الكون، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال [3] .
ودعوة المظلوم تسري في جوف الليل، فينام الظالم والمظلوم لم يَنم، يرفع يديه ويستنزل عقوبة الله على من ظَلَمَه.
قال ابنٌ ليحيى البرمكي - وهم في السجن والقيود: يا أبتِ بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال؟! فقال: يا بنى دعوة مظلوم سَرَتْ بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها، ثم أنشأ يقول:
رب قوم قد غَدَوا في نعمةٍ زمنًا والدهرُ ريانُ غَدَق
سَكَتَ الدهرُ زمانا عنهمُ ثم أبكاهم دما حين نَطَق ... [4]
قال سبحانه: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل: 62]
وذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق قصة رجل له بَغْلٌ يُكريه من دمشق إلى بلد الزبداني، ويَحمل عليه الناس. قال: فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق على طريق مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه فإنها أقرب. فقلت: لا خبرة لي فيها. فقال: بل هي أقرب، فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر، وواد عميق، وفيه قتلى، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل فنزل وتشمّر وجمع عليه ثيابه وسل سكينًا معه، وقصدني، ففرت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه، فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك! فخوّفته الله والعقوبة، فلم يقبل فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين، فقال: عجِّل، فقمت أصلي فارتج عليّ
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان (7/ 382) .
(2) - تقدّم تخرجه (ص 8) من هذا البحث.
(3) - رواه مسلم من حديث عبد اله بن سرجس. كتاب الحج (2/ 979) . و"الحور بعد الكون"ضُبِطَتْ أيضا: الحَور بعد الكَور. وانظر - غير مامور - تعليق محمد فؤاد عبد الباقي علي الحديث (صحيح مسلم - الموضع السابق)
(4) - المنتظم لابن الجوزي (9/ 192) والبداية والنهاية لابن كثير (13/ 679)