ويدخل في التذلّل: فعل بعض السلف عند خروجهم للاستسقاء، فقد كان بعضهم يحثو التراب على رأسه، ويخرج متخشِّعًا.
أو يضع التراب على رأسه عند الدعاء تخشعا وتذللًا.
فعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: لما طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر، فبلغ ذلك عمر، فَوَضَعَ التراب على رأسه وجعل يقول: ما يعبأ الله بعمر بعد هذا. فنزل جبريل من الغد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله تعالى يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر ... [1] ... .
الاعتراف بالذّنب أقرب إلى العفو، ومن تأمل كتاب الله وجد إجابة دعوات بعض الأنبياء قُرِنت بالاعتراف بالذنب.
فهذا أبو البشر - عليه الصلاة والسلام - وزوجه يعترفان: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]
ويأتي الجواب: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: 122]
وذاك نبي الله داود الذي استغفر (رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) قال الله جل جلاله: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ) وزيادة (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) .
وذاك ابنه سليمان الذي تاب وأناب (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)
فوهب له ربُّه ملكا عظيما، وسخّر له الريح، والجن، والطير.
وذاك القوي الأمين قال بعد أن قتل نفسًا قَال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص: 16]
ودعوة ذي النون إذْ دَعَا وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ تضمنت الإقرار والاعتراف، قال سبحانه: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاّ إِلَهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ
(1) - رواه بهذا اللفظ: أبو نُعيم في الحلية (2/ 51) ورجاله ثقات غير موسى بن عُلَيّ بن رباح فهو صدوق، وجعفر بن أحمد الخولاني لم أقف له على ترجمة، وأما قصة تطليقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لِحفصة - رضي الله عنها - ومُراجعته إياها، فهي ثابتة، كما عند أبي داود (2/ 285) والنسائي (6/ 213) وابن ماجه (1/ 650) عن عمر - رضي الله عنه -.