الصفحة 24 من 59

وما ذَهَبَ إليه مالكٌ من التَّخييرِ، فإن أرادَ به إباحةَ كلا الأمرين، فخارجٌ عن محلِّ النِّزاع؛ لأنَّ النِّزاعَ، إنِّما هو في الاستحباب، ولا خلافَ لأحدٍ في جوازِ كلا الأمرين، وإن أرادَ به التَّخييرَ في الاستحباب، فغيرُ مقبول، لما ذَكَرْنا.

هذا ما حضرَ عندي في ترجيحِ مذهبِ الحنفيّةِ من المذاهبِ الثلاثةِ في هذا المقام.

وقال الحافظُ بدرُ الدِّين العَيْنِيِّ (1) في (( شرح الهداية ) ): أحاديثُ السِّلِّ غيرُ صحيحة، ولئن سلَّمنا فالجواب عنها من وجوه:

الأَوَّلُ: أنَّ ما رواهُ الخصم، إمَّا فعلُ الصَّحابة، أو قولُه.

وما رويناه فعلُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم.

والثَّاني: في أنه يحتملُ أن يكونَ ما رواهُ فُعِلَ خوفًا من رَخْوَةِ الأرض.

والثَّالثُ: أنه لم يكنْ من جهةِ القبلةِ ما يَسَعُ فيه جنازةُ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم. انتهى كلامه (2) .

قلتُ: العجبُ عنه أنه مع جلالةِ قَدْرِه، واستنكافِهِ عن تبعيَّةِ شرَّاحِ (( الهداية ) )الذين مضوا قبلَه، قد تَبَعَهم في هذا المقام، ولم يَنْظُرْ ما في هذه الوجوهِ من السَّخافة.

أمَّا الأَوَّل: فلثبوتِ السَّلِّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم في روايةِ ابنِ ماجه (3) .

(1) هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العنتابيّ المولد، العَيْنيّ الحَلَبِيّ الأصل، القاهريّ الحَنَفِيّ، أبو محمد، بدر الدين، كان أبوه قاضيًا بعين تاب، فنسب إِليه، من مؤلفاته: (( البناية في شرح الهداية ) )، و (( رمز الحقائق شرح كنْز الدقائق ) )، و (( شرح شرح معاني الآثار ) )، و (( منحة السَّلوك شرح تحفة الملوك ) )، و (( عمدة القاري شرح صحيح البخارِيّ ) ) (762 - 855 هـ) . انظر: (( الضوء اللامع ) ) (10: 131 - 135) . (( البدر الطالع ) ) (2: 294 - 295) . (( الفوائد ) ) (ص 399) .

(2) من (( البناية في شرح الهداية ) ) (2: 1030) .

(3) سبق ذكرها (ص 27) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت