الصفحة 38 من 59

لكنَّ عبارات الفقهاءِ قاطبةً تدلُّ على الأَوَّلِ حيث يكتفونَ على ذِكْرِ توجيهِ الوجه، والسُّكوتُ في معرضِ البيانِ بيان، على ما نَصَّ عليه شارح (( الوقاية ) ) (1) .

ولا مضايقةَ في مخالفةِ توجُّهِ الحياة، وتوجُّهَ الممات، فإنَّ الحيَّ إذا جَعَلَ وَجْهَهُ فقط إلى القبلةِ لا يقالُ له: إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إليها، ما لم يصرفْ صدرَهُ عُرفًا.

وأَمَّا المَيِّتُ، فإذا وَجَّهَ وَجْهَهُ فقط، يقالُ له: إِنَّهُ متوجِّهٌ إليها عُرْفًَا، فالظَّاهِرُ أن الواجبَ هو ذلك القَدْر، وصرفُ الصَّدْرِ من قبيلِ الأَوْلَى؛ ليوافقَ حال الموتَ حالَ الحياة.

ثُمَّ رأيتُ في (( تحفة المحتاجِ شرح المنهاج ) )لابن حَجَرِ المَكِّيِّ الهَيْتَمَيّ الشَّافِعِيّ (2) ، أنَّه قال عند قول الماتن: ويُوضَعُ في اللّحدِ على يمينِهِ للقبلةِ (3) وجوبًا؛ لنقلِ الخلفِ له عن السَّلف، ومرَّ في المُصلِّي المضطجع أنَّهُ يَسْتَقْبِلُ وجوبًا بمقدَّمِ بدنَهِ ووجهِه، فليأتْ ذلك هاهنا إذ لا فارقَ بينهما. انتهى (4) .

قلتُ: الظَّاهرُ أنَّ التَّوجيهَ مع مُقَدَّمِ البَدَنَ إنما يَجِبُ على الحيّ.

(1) شارح (( الوقاية ) )هو عبيد الله بن مسعود (ت 747 هـ) . وقد سبقت ترجمته.

(2) هو أحمد بن محمد بن بن علي حَجَر الهَيْتَمِيّ السَّعْدِيّ، أبو العباس، شهاب الدين، نسبة إلى لمحلة أبي الهَيْتَم من إقليم مصر الغربية، من مؤلفاته: (( تحفة المحتاج شرح المنهاج ) )، و (( الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم ) )، و (( الخيرات الحسان في مناقب النعمان ) (909 - 974 هـ) . انظر: (( النور السافر ) ) (ص 258 - 263) . (( خلاصة الأثر ) ) (2: 427) . (( التعليقات السنية ) ) (ص 411 - 412) .

(3) انتهى من (( منهاج الطالبين ) )للنووي (1: 353) ، وشرحها الشربيني في (( مغني المحتاج ) ) (1: 353) ، فقال: ندبًا اتباعًا للسلف والخلف. ا.هـ.

(4) من (( تحفة المحتاج ) ) (3: 177) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت