وظهر أكثر من فرض مفسر لظاهرة التضخم ومن ثم أكثر من سياسة مقترحة لكيفية علاجه. أول هذه الفروض أن التضخم أو عدم الاستقرار النقدي في الأقطار الإسلامية إنما هو نتيجة طبيعية لعدم وجود نظام نقدي إسلامي. فالفائدة في حد ذاتها تعتبر تكلفة يتحملها المنتجون مع تكاليف الإنتاج الأخرى ويتحملها المستهلكون في شكل أسعار أعلى. ويظهر هذا الأثر بشكل واضح حينما ترتفع أسعار الفائدة مع معدلات التضخم بشكل مستمر، ومن ثم يصبح التضخم ذاتي التغذية (تضخم مدفوع بارتفاع نفقة الإنتاج متمثلة في الفوائد) . بالإضافة إلى هذا فإن البنوك الربوية تعمل على توليد نقود ائتمانية في أوقات الرواج بما يؤدي إلى زيادة العرض الكلي للنقود بمعدلات تفوق زيادة العرض الكلي الحقيقي (الناتج القومي الحقيقي) ، فيرتفع معدل التضخم تبعًا لذلك. ولقد استفاد أصحاب هذا الرأي من نظريات وضعية سابقة (هايك) [1] .
أما الفرض الثاني فهو أن العوامل السابقة تتسبب في التضخم حقيقة ولكنها ليست الوحيدة، فبفرض التخلص من نظام الفائدة سوف تظل هناك قوى اقتصادية أخرى داخلية تتسبب في التضخم، بعضها هيكلي مثل الاحتكار وعدم مرونة الجهاز الإنتاجي على المستوى الكلي، وبعضها نقدي مثل عدم قدرة السلطات النقدية على إدارة العرض الكلي للنقود بما يتناسب مع احتياجات النشاط الاقتصادي الجاري.
وقد استند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب ونظريات نقدية معاصرة وكذلك تجارب قديمة سجلها علماء المسلمين عن ظاهرة الغلاء الفاحش في ظل ظروف كان الربا فيها محرمًا على المستوى الكلي على سبيل التأكيد (المقريزي مثلًا) [2] .ومن بين هذه الفروض المفسرة للتضخم في الأقطار الإسلامية حالة العجز المستمر في موازين
(1) للإطلاع على مساهمة هايك F.A.Hayek انظر: G.P.O' Driscoll, Economics as a Coordination Problem: The Contribution of Friedrich A. Hayek, Kansas City: Sheed,1977.
(2) المقريزي، إغاثة الأمة بكشف الغمة، دار ابن الوليد، حمص-سوريا، 1956، وملخص المساهمة في عبد الرحمن يسري، تطور الفكر الاقتصادي، سبق ذكره (1) .