كما أضاف أكثر فقهاء السلف والخلف شرطا آخر لتحقق السرقة، وهو النصاب الذي يقام له الحد. وثار بينهم خلاف لم يحسم لحد الآن. ذلك أن الآية الكريمة وردت مطلقة غير محددة لمقدار معين يقطع فيه السارق. فذهب أكثر المحدثين إلى أن أحاديث - رسول الله صلى الله عليه وسلم - حددته. ثم اختلفوا في تأويل هذه الأحاديث واستخراج الأحكام منها. لكن كل ما ورد في هذا الموضوع مضطرب ومختلف. فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة - رضي الله عنها وعنهم- أحاديث يدفع بعضها بعضا. ورد عنهم مرسلا ومرفوعا أن نصاب السرقة دينار، وأنه ربع دينار، وأنه ثلث دينار أو نصف دينار، وأنه ثمن المجن - الترس - فما فوقه. وقدر الصحابة والتابعون ثمن المجن تقديرات مختلفة: ثلاثة دراهم، وخمسة دراهم، وعشرة دراهم، وربع دينار، ونصف دينار. وقدره ابن قيم الجوزية بكفاية الرجل وأهله من الطعام ليوم واحد.
وكان هذا التضارب في الروايات والآثار سببا رئيسيا في اختلاف الأحكام لدى المذاهب الإسلامية:
فالنصاب عند المالكية ثلاثة دراهم، وحجتهم ما ورد في الصحيحين من أنه - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. (قَالَ مَالِك أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَإِنِ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ(موطأ الإمام مال)
والنصاب عند الشافعية ربع دينار، وحجتهم ما رواه الشيخان عَنْ عَائِشَةَ (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا)