ونحن نرى أن فقهاء الأمة، قد ألزموا أنفسهم في قضية تحديد النصاب ما لم يلزمهم. وما هو متعذر تحديده، وأن اختلافهم في تحديد قيمة المجن طبيعي جدا من وجهة النظر الاقتصادية. فالمجن قد يكون ثمنه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدارا معينا في المدينة، ومقدارا غيره في مكة، وآخر مخالفا لهما في فارس، وغير هذه المقادير كلها لدى الروم. وقد يكون ثمنه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المدينة وحدها مقدارا معينا عند مجيء قوافل التجار، ومقدارا آخر عند غيابها، نظرا لعاملي الندرة والوفرة، وظروف العرض والطلب، وحالات الجودة والرداءة، والحرب والسلم.
كما أن تحديد قيمة النقد تحديدا جامدا متعذر أيضا؛ لأن قيمة العملة تتغير من زمان لزمان، ومكان لمكان، سواء كانت ذهبا، أو فضة أو أوراقا نقدية، تبعا للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
ثم إن العقوبة المقررة في القرآن هي عقوبة رادعة لمطلق فعل السرقة، لأنه فعل في نفسه ذميم، ومرض خطير يخل بالأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للأمة، فإذا حددنا للسرقة نصابا معينا كنا كمن يقول:"لا بأس بالخيانة، ما دامت صغيرة، ولا تساهل معها إذا ما تضخمت".
مع العلم بأن جميع أنواع الانحرافات تبدأ صغيرة، ثم تكبر وهذا معروف في الشرع الإسلامي الذي ينص على أن يقام الحد على شارب قليل الخمر، كما يقام على شارب كثيره، عملا بالقاعدة الفقهية: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) ، فلماذا نشذ عن هذه القاعدة في قضية السرقة فنميز بين سرقة القليل وسرقة الكثير بدون نص.