الصفحة 14 من 90

وذلك أن التحدي الأكبر والأساسي الذي أصبح يواجه الإسلاميون اليوم، لم يعد مع القوى الخارجية، بقدر ما هو مع (الداخل) الإسلامي، مع قضية ترتيب (البيت) الإسلامي الكبير، وضبط قواعده وحسم خياراته الكبرى، وضبط نظم سياساته، وترشيح مجموعة القيم التي توجه وترشد أخلاقيات المجتمع المسلم، وغير ذلك من قضايا داخلية ترتبط (بالداخل) الإسلامي أكثر من ارتباطها (بالخارج) .

إن ثمة حقيقة فكرية واجتماعية واضحة، لم تعد بحاجة إلى كثير جهد لإثباتها، وذلك أن مختلف التيارات الفكرية التغريبية الوافدة على ديار الإسلام منذ بواكير عصر النهضة الحديثة، قد سقطت سقوطًا نهائيًا، وشهدت - جميعها - هزائم تاريخية حاسمة، فالعلمانية التي قاتلت وقاتل معها جيل كامل من المتغربين، لكي تستقر هذه الفكرة الخبيثة في النظام الاجتماعي الإسلامي، على المستوى السياسي أو الثقافي أو الأخلاقي والقيمي، وعلى الرغم مما أمدها به الغرب من دعم ونفوذ سياسي وثقافي كبير، لم يقف عند حد تدعيم رموزه، وتحكيم قبضتهم في سياسات الأمة، بل امتد إلى تحطيم القوى الإسلامية المدافعة عن أصالة الأمة، والبطش بها والتنكيل برموزها ورجالاتها، على الرغم من ذلك كله فقد فشلت العلمانية في أن تحقق استقرارًا لها في ديار الإسلام، وها هو مسلسل تراجعها يستمر في مختلف المواقع التي أمكنها اختراقها في حقب الاستبداد والقهر، وإذلال شعوب الأمة.

ولم يبق من دعاة العلمانية اليوم في ديار الإسلام إلا شواذ معدودون، لم يعد يعبأ بهم أحد مما أصبح يعكس نفسه على كتاباتهم التي تحولت إلى نوع من (الهوس) الفكري، وهناك منهم من امتهن كتابة (تقارير أمنية) لمن يعنيهم الأمر في (الخارج) تحت ستار دراسة بحث الظاهرة الإسلامية، وبعضهم اكتفى بكتابة التقارير الأمنية المتخفية في (ثوب) ثقافي لمن يعنيهم الأمر في (الداخل) !.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت