وبعد ذلك فلا أظنه سيخفى على منصف فهم ما تمثله هذه الصحوة من مصدر قلق بالغ لدوائر استعمارية عديدة، خاصة بعد إحرازها لنجاحات هامة، وقياسية على المستوى الشعبي، ولقد كان هذا الفزع الواضح للعيان، حريًا أن يلفت انتباه حتى أولئك الذين لا يؤمنون بالفكرة الإسلامية، إلى التأمل والكشف، عن الدلالات الضمنية الخفية لهذه الظاهرة، لقد كان حريًا بأصحاب الفكر اللاإسلامي على شتى مذاهبه، أن يبحثوا عن مغزى نصيحة (لويس ماسينيون) كما نقلها بركات عبد الفتاح دويدار في كتابه (الحراكات الفكرية ضد الإسلام) اليهودي الفرنسي لبني قومه حين قال: (إن الحركات الفكرية الإسلامية تستعد في خفاء وصمت، وتندلع فجأة دون أن يسبقها نذير يمكن أن يرى، يجب أن نجعل هذه الحقائق نصب أعيننا إذا أردنا أن ندرك أي أساس واهٍ تقوم عليه المنشآت الأوربية في بلاد الإسلام، فبعد أعوام من السكينة، ربما تندلع بغتة نار الدعوة إلى الجهاد أبعد ما نكون توقعًا لها) .
فإن هذه القولة وأشباهها مما يصدر عن خبراء - بعضهم كانوا أساتذة لرموز الفكر العربي المعاصر - كانت حرية أن تجعل رجالات التيار اللاإسلامي - من أبناء العرب - على الأقل، يعيدون النظر جذريًا في مواقفهم النفسية والفكرية، تجاه الفكر الأوربي ومذاهبه، وكذلك تجاه الفكر الإسلامي، وأن يحاولوا البحث عن جديد عن هذه المعاني الخصبة والحية، التي تحتملها الفكرة الإسلامية، بحيث تمثل كل هذا الإزعاج والقلق، لمراصد القوى المعادية لأمتهم ولا سيما بعد أن عضد هذا الطلب، تلك النتائج المريرة، التي نتجت في ظل (العلمنة) و (أيديولوجيات) المذاهب الفكرية الأوربية، المضادة للفكرة الإسلامية.