ويعود تبلور الفكرة (التنويرة بثوبها الجديد من الجانب القومي الشيوعي) إلى نهاية الستينات من قرننا الحالي، كانت الانكسارة الحادة التي منيت بها الجيوش العربية في حرب يونيو عام 1967م، بمثابة الصدمة النفسية التي طرقت بقسوة أبواب العقل العربي الجديد، لتخرجه من غيبوبته وتعرت - إلى حد كبير - أبعاد الموقف العربي في شموليته، ومع هذا التعري انكشفت حقيقة أزمة المجتمعات العربية، وبان أنها ليست أزمة موقف سياسي، وإنما هي - في صميمها - أزمة موقف حضاري عام، ولقد أصبح باديًا للعيان أن ثمة مجتمعًا (مسلوب الهوية) وما مسألة غياب (إرادة الفعل والنهوض) إلا تفريع على أصل الداء ومنيت العلة أعني (غياب الهوية) .
جاءت هذه الصدمة لترفع الحصار الذي ضرب حول إرهاصات الصحوة الإسلامية، وتفك الخناق الذي كان يحبس الاندفاعة الكبرى على طريق النهضة الإسلامية، ومن ثم برزت الالتفاتة القوية للأمة نحو الإسلام، عقيدة وشريعة وعبادة وتصورًا وسلوكًا، وتراثًا حضاريًا إنسانيًا كذلك، وكان واضحًا أن الطريقة الجديدة تملك من الوضوح والثبات والطهارة التاريخية، ما جعلها (الأمل) الذي تتمسك به جماهير الأمة، بعد أن غشيها ظلام المذهبيات الأجنبية الدامس، والذي تحولت الأمة في ظل أنظمته إلى (فئران تجارب) لإفرازات العقل الأوربي الحديث، شرقيه وغربيه على حد سواء.
ومع انطلاقة الأمة بقوة إلى طريق الإسلام، والنشاط الواسع لإحياء تراثه الإنساني الخصيب، بدأت إرهاصات (عزلة) نفسية، وجمود فكري، وتراجع حركي، تصيب مختلف الفعاليات الفكرية العربية المتغربة، وكان أبرز هذه الفعاليات المنهزمة الماركسيون العرب، والقوميون بمحدداتهم (الاشتراكية) المختلفة في دركاتها، بحكم أنهم كانوا أصحاب السلطان والحكم والاستعلاء في معظم العواصم العربية الرئيسية.