في ذلك الوقت نشط نفر من الاشتراكيين والماركسيين الفرنسيين، ممن لهم اهتمام مباشر بالحركات الفكرية في العالم العربي، وكان على رأس هؤلاء (روجيه جارودي) و (مكسيم رودنسون) و (إيف لاكوست) بعضهم قام بزيارة عمل إلى بعض العواصم العربية الفاعلة في المشرق والمغرب، ومن خلال رصد الوضعية الجديدة للنشاط الفكري في العالم العربي وظهور الصحوة الإسلامية من جديد، وإزاحتها كافة المذهبيات الأجنبية من طريقها، وتقدمها لريادة المجتمع العربي من جديد، إزاء ذلك كله، وجه هؤلاء النفر النصيحة، مباشرة وملتوية إلى الفعاليات الفكرية العربية الماركسية والقومية الاشتراكية، من أجل (نقل) مجال عملهم إلى داخل التراث الإسلامي ذاته، بعد أن عاشوا دهرًا خارجه، فكرًا وممارسة، بمعنى أنهم بدلًا من أن يقفوا في وجه الإسلام - كما هو حالهم سابقًا - وينطلقوا من مبدأ المعارضة الصريحة للإسلام والفكر الإسلامي، بدلًا من ذلك فإنهم يمكنهم أن يعلنوا أنهم أيضًا وجدوا الضالة في الإسلام، وآمنوا بأن الإسلام هو طريق الخلاص، ثم من خلال هذه الأرضية (النفسية) التي تجعلهم قريبين من الوجدان الشعبي الإسلامي، وتمحو عن وجوههم كآبة التغريب التي عهدها فيهم المثقفون العرب المسلمون، من خلال هذا التسرب، يمكنهم أن يبدأوا طرح (الفكرة الماركسية) أو (الفكرة القومية الاشتراكية) في ثوب إسلامي فضفاض، يخدع القارئ عن إدراك حقيقة الطرح الفكري التغريبي الذي يقدم من خلاله.
هذه العملية يمكنا أن نلخصها - شرعيًا - في شعار (نفاق الفكرة) وقد وضع هؤلاء النفر المستشرقون الثلاثة، تخطيطًا شبه متكامل، دعوا فيه الماركسيين والقوميين العرب إلى التزامه، والنسج على منواله، والسير على هديه، وهذا المخطط الخطير اعتمد على ثلاث ركائز:
الأولى: الدعوة إلى إعادة قراءة أو كتابة التاريخ العربي الإسلامي، على أساس أن ثمة اتجاهات حركية فيه قد ظلمت عمدًا من (مؤرخي السلاطين) .