الصفحة 26 من 90

ونحن لا يهمنا هنا الوقوف عند دلالتها - هذه الحقيقة - على الإحساس (العلماني) بضعف موقعهم، وتهافت طروحاتهم، وصدود المثقفين عنهم، وإنما الذي يهمنا هنا في المقام الأول، هو أن مثل هذه الوجهة التي انتحاها العلمانيون العرب - تحت هذه الظروف التي عرضناها - تبرهن بما لا يدع مجالًا للشك، على وجود أزمة أخلاقية حادة، تسري في أوصال فعاليات فكرنا المعاصر، إذ أن اللجوء إلى مبدأ (نفاق الفكرة) دون أي مبرر قهري موضوعي مقبول - هو خلل أخلاقي صريح، من حيث ننتهج الوسائل غير الشريفة لتحقيق أهدافنا، حتى ولو كانت أهدافًا صحيحة، فكيف وقد برهن التاريخ والواقع المشهود على فسادها؟!.

إن النصح للأمة واللأجيال إنما يبدأ من تحديد مفردات الموقف الفكري والحضاري، وتجليتها من حيث كونها تمثل جوهر الإشكالية، ثم نبرهن على ما يصح منها ونكشف عن زيف ما لا يصح، بالدليل والبينة والبرهان، بحيث يمكن لإنساننا المعاصر أن يتخير موقفه بمسؤولية كاملة، وإرادة حرة واعية طليقة، أما أن نعمد إلى خلط مفردات الموقف الفكري والحضاري والتعتيم على أبعاد الإشكاليات، والتدسس إلى مسارب خفية مموهة، فهو تضليل للأمة وخداع لطاقتها الإنسانية عن معالم هويتهم بكل أبعادها، ومحاولة غير نزيهة لتزوير إرادة الإنسان العربي الفكرية.

ثانيًا: أن هذا الالتفات الجديد نحو التراث الإسلامي، والشق الديني فيه على وجه التحديد، هو الذي يحاول أصحابه رفع شعار التجديد والاستنارة، لتمرير الفكرة العلمانية، أو دمج معطياتها بدين الله، أقول: هذا الالفتات الجديد هو هدم وتخريب لتراث المسلمين ولدينهم وشريعتهم على السواء، ولا يخفف من الجرم شيئًا رفع شعار التجديد على هذا الصنيع.

وذلك أن تجديد الفكر الإسلامي، لا يمكن أن يكون تبديلًا لحقائقه ومقوماته، ولا يجوز أن يكون بالزيادة فيها ولا النقص منها، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول (من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت