الصفحة 28 من 90

ومن ثم فقد ارتأى أصحاب هذه (الجبهة) أن يكون من العبث المكشوف لهذا الدفق الإسلامي الواسع الامتداد في المجتمع العربي، والأهم من ذلك هو استحالة القدرة على إقناع الجماهير العربية - بصورة مباشرة - برفض الفكرة الإسلامية ومعطياتها، فاتجهت (الجبهة) بعد المؤتمر الشهير الذي عقدته في الكويت أواسط السبعينيات إلى ضرورة العمل على عزل الإسلام عن الواقع الاجتماعي، من خلال الإسلام ذاته، وهذا يعني تفتيت الفكرة الإسلامية من داخلها وتفريغها من مضامينها الجوهرية، وخلخلة معطيات التراث الإسلامي، ومن ثم هدمها بآلة من داخل التراث، والعمل على تسريب المضامين (العلمانية) من خلال أغلفة إسلامية بشكل أو بآخر، أي حسب منهج (الإسقاط الفكري) .

وهذه التعبيرات - والتي نقلناها بنفس تعبيرات المؤتمر (أنفسهم) - يلخصها لنا أحد شيوخ (الجبهة) وهو محمد النويهي في بحث قدمه للمؤتمر تحت عنوان (الدين وأزمة التطور الحضاري) طالب فيه بضرورة تنظيم صفوف العلمانيين، لابتعاث حملة فكرية، تحقق أهدافهم المنشودة، والتي عبر عنها بقوله (إن هدف الحملة الفكرية المطلوبة هو أن نقنع الناس، بوجوب الأخذ بالنظرية العلمانية الخالصة، في كل ما يختص بأمور معاشهم ودنياهم، وهي لن تفلح في هذا إلا إذا أقنعتهم بأن الإسلام دين كثرتهم، لا يتنافى مع النظرة العلمانية بل ليس من المغالاة أن نقرر أن موقفه من أمور دنيانا هو موقف علماني صرف.

ونفس هذا الباحث هو الذي أفصح عن تصوره لعلمانية الإسلام في بحث سابق، نشره تحت عنوان (نحو ثورة في الفكري الديني) قال فيه صراحة: إذا كان الحديث عن الحياة لا عن العقيدة وما يتصل بها من شعائر العبادة فإن القرآن .. لم يشرع لنا إلا التشريع الذي يكفل حياة أمة واحدة، هي أمة العرب في زمن واحد هو زمن الرسول صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت