الصفحة 3 من 90

وبمعرفة جذور هذا التيار يتبين أثره على الأمة فالعصرانية حركة تجديدة واسعة نشطت في داخل الأديان اليهودية والنصرانية والإسلام أيضًا، إلا أن هذه الحركات التحررية مستهجنة داخل اليهودية والنصرانية عندما نشأت، حتى أن البابا (بيوس العاشر) قد أصدر منشورين عن هذه الحرة عام 1907م وأطلق عليها اسم (العصرانية) ودمغها بالكفر والإلحاد، ووصفها بأنه (مركب جديد لكل عناصر البدع والهرطقة القديمة) وأعلن بأنه (لو حاول إنسان أن يجمع معًا جميع الأخطاء التي وجهت ضد الإيمان، وأن يعصر في واحد عصارتها وجوهرها كلها لما استطاع أن يفعل ذلك بأفضل مما فعل العصرانيون) .

ومن المتناقضات العجيبة أن هذه القصة بكل فصولها نقلت إلينا من الغرب فظهرت لها نزعات مشابهة في العالم الإسلامي، منذ القرن الماضي عند بعض المتغربين .. فنادوا بتفسير بعض القضايا الإسلامية تفسيرًا عقلانيًا وحاول إخضاع القرآن والسنة للمقاييس المادية حتى تتلاءم مع منهج الغرب، وقيم الحضارة الحديثة التي بهرت كثيرًا من الذين كانوا يرونها المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم، والحقيقة إن العصرانيين يمثلون تيارًا عامًا لم تكتمل ملامحه بعد، ولم تكن اجتهادات رجاله واحدة وإنما يشتركون في ملامح عامة وخصائص مشتركة عمومًا، وهم ليسوا سواءً في منطلقاتهم وأهدافهم وقد يلتقي معهم في بعض المسائل من ليس منهم ولا يوافقهم على كثير من غلوهم وجموحهم، وإن كان المعتدلين منهم أقرب على فكر (الاعتزال) ولا سيما في إطاره المنهجي العام، الذي ينحى باتجاه إعلاء حاكمية العقل والرأي، على نص كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت