إن لهذه الأبحاث والتوجهات خطورة وتكمن خطورتها الحقيقية في أنها لا تقف عند حد الأوراق، أي الخلل في البحث الأكاديمي، وإنما تتعداه إلى التأثير في الواقع الحي المتجدد، من حيث إيقاعها الخلل والاضطراب في نظرة الإنسان العربي المسلم المعاصر، إلى تاريخه الذي يمثل مستودع تجارب أسلافه، ويمثل كذلك معالم مقوماته الحضارية، التي يستلهمها اليوم، وهو يخوض في صحوته الجديدة معترك تحديات عديدة، فصياغة التاريخ بمثل هذا التشويه، تفصل المسلم عن ماضيه، ومن المعلوم أن من لا ماضي له يستقي منه التجارب والخبرات فبالتأكيد لا مستقبل له، فأمة بلا ماضي أو بماض مشوه لا شك أنها أمة تائهة متذبذبة لن تبصر طريقها أبدًا، وهذا عين ما يرمي إليه هؤلاء، أي أن الأمر ليس مجرد خطأ غير مقصود في تشويههم التاريخ بهذا الأسلوب، أو زلل عن جهالة، وإنما الأمر عمد موجه تقصد من ورائه هذه الدارسات المنحرفة، إلى أن ترسب مفاهيم جديدة وخطيرة في أذهان الناشئة، تتمثل في إقناعهم بإمكانية عزل مجتمعهم عن الإسلام، بل ووجوب ذلك!! مستثمرين البحث التاريخي، في إحداث هذه الخلخلة الفكرية، عن طريق تشويه مواقف التاريخ وحقائقه، واتجاهات شخوصه وإعادة ترتيبها، بما يوافق وجهات عقائدية ومذهبية معينة حيث ينعكس هذا التشويه - ضرورة - على التكوين العقلي والنفسي للمسلم المعاصر ومواقفه من تحديات نهضته الحاضرة.
ولا ريب أن عماد هذا الاتجها من اتجاهت التخريب، وآلته إنما يمثله منحى (الإسقاط) ولا سيما بعد أن فشلت محاولات الدس المباشر في القديم.
إن المارقين مذهبيًا وحضاريًا وأخلاقيًا عندما يتجهون إلى إعادة كتابة التاريخ، فإن العقلاء لن يفهموا من هذه الوجهة إلا أنها محولة جديدة لتمزيق التاريخ نفسه، وجعله رقعًا يرقع بها كل منا ثوبه المذهبي المجلوب، أو يستر بها عواره الحضاري المتغرب.