ومما يدعو للريبة كذلك في هذا المنحى الجديد إحاطة أوساط التبشير والاستشراق المعاصر لتلك الدراسات وأصحابها بالعطف البالغ والرعاية غير المألوفة ولا السوية، وحرص هؤلاء وأولئك على الترويج لتلك الدراسات والأبحاث في ديار المسلمين وفي الواقع الفكري الأوربي المعاصر، الذي بدأ يشهد تحولا ملحوظا صوب الفكرة الإسلامية، حيث يقدمون هذه الأبحاث على أنها تمثل (الفكر الإسلامي العقلاني الثائر والمستنير) .
ومما يزيد الريبة عندنا عمقًا رؤيتنا لبعض الدراسات التي تمثل الجانب العملي لنظرياتهم، ومن تلك الدراسات مثلًا، رسالة لنيل الدكتوراة قدمها علي أحمد سعيد (أدونيس) تحت عنوان (الثابت والمتحول .. بحث في الاتباع والإبداع عند العرب) بإشراف (رجل دين نصراني) وقد ترشح صاحبها من قبل دوائر الاستشراق الأوربي المعاصر لنيل جائزة عالمية شهيرة بوصفه (شاعرًا ومفكرًا إسلاميًا ثائرًا) وإن كانا نهتم هنا بعرض ما قدمته الدراسة من رؤى فاسدة تهدف إلى تشويه (الفكرة الإسلامية) ذاتها، في نظر الإنسان المعاصر إلا أنه لا يفوتنا التنبيه على ما قدمته هذه الدراسة من تشويه واسع لوقائع التاريخ الإسلامي حتى في أشرق صفحاته ونكتفي هنا بعرض نموذج لهذا التشويه في طرح الدراسة تصورها لحادث تولية أبي بكر الصديق للخلافة، إذ تقول الدراسة (إن النبوة / الملك / الخلافة) تأسست والنبي يحتضر في مناخ اقتتال بل يمكن القول بأنها تأسست بمبادرة شبه انقلابية، أي بشكل من أشكال العنف الأقوى لا الأحق هو وارث النبوة / الملك، أو هو الخليفة.