ولعلنا لو ذكرنا القاريء بقصة مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام لكفي وشفي وأدرك المقصود بقوة الإرادة هنا -قال الشوكاني في تفسير الجزء:3/ 23
لقوله تعالي: (ورَاوَدَتْهُ الَتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23) -يوسف
المراودة الإرادة والطلب برفق ولين- وقيل هي مأخوذة من الرود: أي الرفق والتأني، يقال أرودني: أمهلني، وقيل المراودة مأخوذة من راد يرود: إذا جاء وذهب، كأن المعنى: أنها فعلت في مراودتها له فعل المخادع، ومنه الرائد لمن يطلب الماء والكلأ، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه: إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وهي مفاعلة، وأصلها أن تكون من الجانبين، فجعل السبب هنا في أحد الجانبين قائمًا مقام المسبب، فكأن يوسف عليه السلام لما كان ما أعطيه من كمال الخلق والزيادة في الحسن سببًا لمراودة امرأة العزيز له مراود. وإنما قال"التي هو في بيتها"ولم يقل امرأة العزيز، وزليخا قصدًا إلى زيادة التقرير مع استهجان التصريح باسم المرأة والمحافظة على الستر عليها"وغلقت الأبواب"قيل في هذه الصيغة ما يدل على التكثير، فيقال غلق الأبواب، ولا يقال غلق الباب، بل يقال أغلق الباب، وقد يقال أغلق الأبواب، ومنه قول الفرزدق في أبي عمرو بن العلاء:
ما زلت أغلق أبوابًا وافتحها حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
قيل وكانت الأبواب سبعة. قوله"هيت لك"... ومعنى هيت على جميع القراءات معنى هلم وتعال، لأنها من أسماء الأفعال ثم قال:
وقد روي عن ابن عباس والحسن أنها كلمة سريانية معناها أنها تدعوه إلى نفسها. قال أبو عبيدة: كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز معناها تعال. قال أبو عبيدة: فسألت شيخًا عالمًا من حوران فذكر أنها لغتهم"قال معاذ الله"أي أعوذ بالله معاذًا مما دعوتني إليه، فهو مصدر منتصب بفعل محذوف مضاف إلى اسم الله سبحانه، وجملة"إنه ربي أحسن مثواي"تعليل للامتناع الكائن منه ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز، والضمير للشأن: أي إن الشأن ربي، يعني العزيز: أي سيدي الذي رباني وأحسن مثواي حيث أمرك بقوله:"أكرمي مثواه"، فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك؟ وقال الزجاج: إن الضمير لله سبحانه: أي إن الله ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرمه، وجملة"إنه لا يفلح الظالمون"تعليل آخر للامتناع منه عن إجابتها، والفلاح: الظفر.
والمعنى: أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم، ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز من يوسف. اهـ
الأمر الثاني والثالث: الصوم وغض البصر: