والمقصود أن القلوب في هذه الولادة ثلاثة: قلب لم يولد ولم يأن له بل هو جنبن في بطن الشهوات والغي والجهل والضلال وقلب قد ولد وخرج إلى فضاء التوحيد والمعرفة وتخلص من مشيمة الطباع وظلمات النفس والهوى، فقرت عينه بالله وقرت عيون به وقلوب، وأنست بقربه الأرواح، وذكرت رؤيته بالله، فاطمأن بالله وسكن إليه، وعكف بهمته عليه، وسافرت هممه وعزائمه إلى الرفيق الأعلى، لا يقر بشيء غير الله، ولا يسكن إلى شيء سواه، ولا يطمئن بغيره، يجد من كل شيء سوى الله عوضا ومحبته قوته، لا يجد من الله عوضا أبدا، فذكره حياة قلبه ورضاه غاية مطلبه، ومحبته قوته، ومعرفته أنيسه، عدوه من جذب قلبه عن الله (( وإن كان القريب المصافيا ) ). ووليه من رده إلى الله وجمع قلبه عليه (( وإن كان البعيد المناويا ) )، فهذا قلبان متباينان غاية التباين، وقلب ثالث في البرزخ ينتظر الولادة صباحا ومساء، وقد أصبح على فضاء التجريد، وآنس من خلال الديار أشعة التوحيد، تأبى غلبات الحب والشوق إلا تقربا إلى من السعادة كلها بقربه، والحظ كل الحظ في طاعته وحبه، وتأبي غلبات الطباع إلا جذبة وإيقافه وتعويقه فهو بين الداعين تارة وتارة قد قطع عقبات وآفات، وبقي عليه مفاوز وفلوات. والمقصود أن صاحب هذا المقام إذا تحقق به ظاهرا وباطنا، وسلم عن نظر نفسه إلى مقامه واشتغاله به ووقوفه عنده، فهو فقير حقيقي، ليس فيه قادح من القوادح التي تحطه عن درجة الفقر.) اهـ
بناء علي ما سبق يضح لنا أن الأيمان بأنه لا نافع ولا ضار إلا الله يجعلنا لا نتردد البته في المضي في الطريق بلا تردد , بعزيمة وإيمان وقوة , ويقين بأن الله غالب علي أمره ومتم نوره وناصر عباده
, ومؤيدهم برعايته ورحمته , لا يضر المرء كيد الكائدين ولا تهويل اصحاب الهوي ولا يغتر بكثرة الهالكين ولعل في قصة ابن مسعود -رضي الله تعالي عنه في بداية الدعوة عبرة لنا للثبات علي الحق والله المستعان.
-القصة تقول: اجتمع أصحاب الرسول ? يومًا في مكة وكانوا قله مستضعفين فقالوا والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط فمن رجل يسمعهم إياه؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم إياه فقالوا: إنا نخشاهم عليك إنما نريد رجلًا له عشيرة تحميه وتمنعه منهم إذا أرادوه بشر. فقال: دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني (انتبه لهذا) ثم غدا إلى المسجد حتى أتى المقام في الضحى وقريش جلوس حول الكعبة فوقف عند المقام وقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم .. (الرَّحْمَنُ 1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} (الرحمن 1 - 4) ..