الصفحة 17 من 24

لها من خير فهو من فضل الله ورحمته، والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك، إلي أن قال:

فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة فإن لم توفق للإرادة الصالحة وإلا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضار، وقد قال تعالى:"إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا *"

وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين"فأخبر سبحانه أن الإنسان خلق على هذه الصفة، وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه. وقال تعالى:"وخلق الإنسان ضعيفا"قال طاوس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء. وقال الحسن: هو خلقه من ماء مهين. وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى. والصواب أن ضعفه أعظم من حاجة الإنسان إلى الله من لوازم ضعفه هذا وأكثر: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صيب الحدور. فبالاضطرار لا"

بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه. ثم قال:

فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر في العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان فعلها فسادا كصاحب شهوات الغي والظلم، الذي يفعل بقوته ما يريده من شهوات الغي في بطنه وفرجه ومن ظلم الناس، فإن هذا وإن كان له بقوة وعزة لكن لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده، وكذلك العلم كماله أن تقترن به الحكمة وإلا فالعلم الذي لا يرد ما تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه، سفيه غاو وعلمه عون على الشر والفساد هذا إذا كان عالما قادرا مريدا له إرادة من غير حكمة، وإن قدر أنه لا إرادة له بحال فهذا أولا ممتنع من الحي، فإن وجود الشعور بدون حب ولا بغض ولا إرادة ممتنع كوجود إرادة بدون الشعور، وأما القدرة والقوة إذا قدر وجودها بدون إرادة فهي كقوة الجماد، فإن القوة الطبيعية التي هي مبدأ الفعل والحركة لا إرادة لها وقد قال بعض الناس: إن للجماد شعورا يليق به واحتج بقوله تعالى:"وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله"وبقوله تعالى:"فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض"وهذه المسألة كبيرة تحتاج إلى كلام لا يليق بهذا الموضع المقصود أن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بها الكمال والصلاح وإنما يحصل ذلك بالحكمة معها، واسمه سبحانه (( الحكيم ) )يتضمن حكمته في خلقه وأمره في إرادته الدينية والكونية وهو حكيم في كل ما خلقه وأمر به. اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت