من كفرٍ وزندقة بوعي وإدراك وتفنن، وليس ما سطره عباراتٍ عابرةً أو سبق قلم أو زلة عالم أو اجتهاد خاطئ، ومع ذلك اختلف العلماءُ في تكفيره، وتجد بعض الأئمة الراسخين في العلم الذين لهم قدم صدق في الأمة حينما يذكرون اسم هذا الملحد يبجلونه ويعظمونه فيلحقون باسمه عبارات"قدس الله روحه"ونحوها ويصفونه بالعارف بالله وبالشيخ الأكبر، كما يفعل الإمام الألوسي في تفسيره.
وهؤلاء الأئمة مع رسوخ علمهم ودقة فهمم إلا أنهم يجعلون عقولهم أقصر وأقل من أن تدرك معاني عبارات هؤلاء الملاحدة فيقفون أمامها موقف العاجز المستسلم الذي يجعل صحة كلامهم هي الأصل المقطوع ولو كان غاية في البهتان والشناعة، فإن وجد له تخريجا وتأويلًا فبها وإلا قال القوم أدرى بما يقولون، فانظر مثلًا إلى هذه القصة التي يذكرها الإمام الألوسي عن رأس الإلحاد ابن عربي:"وقد سمعت من بعضهم -العهدة عليه- أن الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي قدس الله تعالى سره وقع يومًا عن حماره، فرضت رجله فجاؤوا ليحملوه فقال: أمهلوني فأمهلوه يسيرًا ثم أذن لهم فحملوه فقيل له في ذلك فقال: راجعت كتاب الله تعالى فوجدت خبر هذه الحادثة قد ذكر في الفاتحة، وهذا أمر لا تصله عقولنا!". انتهى كلام الألوسي.
فهل رأيتم العلماء المكفرين لابن عربي -وما أكثرهم- يكفرون أعيانَ مَن لم يكفره من إخوانهم العلماء، وما أكثرهم أيضًا؟
بل هل كفروا حتى مَن لم يرَ ضلال شخص ابن عربي، وهل استعملوا معهم قاعدة"من لم يكفر الكافر فهو كافر"أو شهروها سيفًا مصلتًا وسلاحًا فاتكًا في وجه كل من خالفهم ونازعهم في تكفيره وردته؟!