وما ذاك إلا لقوّة بصيرتهم وتثبّتهم في العلم واحتياطهم في الدين ومعرفتهم بالأعذار، وقد كان بعض مشايخنا يقول: كلما رسخَ علمُ العالم كان أبصر بالأعذار وأوسع عذرًا للناس، وهذا صحيحٌ لمن اعتبره، ولا يخفى أنه مقيّد بقيد الشرع الصحيح والفقه الرجيح على قاعدة تقوى الله تعالى.
والحاصل أن العلماء كانوا يتناظرون في شأن هذا الزنديق ابن عربي ويكتبون الكتب في فضح خبثه وإماطة اللثام عن زندقته، وربما وصل الأمر إلى المباهلة في شأن ضلاله، ولكنهم لا يتجاوزون ذلك إلى تكفير مخالفهم في هذا الأمر، كما في القصة المروية عن الحافظ ابن حجر رحمه الله مع مَن ناظره من محبي ابن عربي في شأنه.
وهكذا بقيتْ جلالة أولئك العلماء المخالفين في شأن زندقة ابن عربي على حالها؛ يؤخذ من علمهم، وينتفع بكتبهم، ويُرد عليهم بالعلم والتأصيل فيما حاولوه من التوسع الشنيع في الاعتذار لهؤلاء الزنادقة، ولم يكن ذلك سببا في تكفيرهم ولا داعيًا إلى تضليلهم، إلا عند سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان المارقين من الدين كما يمرق السهم من الرمية!
وأما ابن حجر الهيتمي فإنه كان متصوفًا كذلك معظما لابن عربي المذكور، وكان مناضلًا عن أهل شرك القبور؛ جوّز في بعض كتبه الاستغاثة بغير الله تعالى ودافع عن المشركين المستغيثين بغير الله من الأولياء وأضرحتهم.
وشنّع على شيخ الإسلام ابن تيمية وحط عليه ووقع فيه وقوعًا شديدًا، ولعله كفره أيضًا أو قاربَ، وطامّاته في هذا الباب معروفة، ومع ذلك لم يكفره العلماءُ واعتذروا عنه بما له من تأويل وعظيم فضلٍ ورسوخ قدم في العلم والفقه.