وأما الشطر الثاني من كلامه، فيَرِد عليه السؤال التالي: ما هو حدّ المتأخر؟!، وهذا لا يسلّم به على اطلاقه، لأن لازمه هدم للسنة بل لا يسْلَم أصح الكتب بعد كتاب الله من نقد أحاديث عليهما أو أحدهما، فمن باب أولى ما كان دونهما في المنزلة والمكانة والشرف، وفي حدود علمي أن الحافظ الخطيب البغدادي عند الدكتور من المتأخرين!!، فقد قال (ص 4) - بعد أن ذكر حديثًا: (الحديث صححه المتأخرون منهم: ابن حبان، والحاكم!) ، فمن باب أولى أن يكون الخطيب عنده من المتأخرين! ولا يخفى على كل باحث أن أكثر الأحاديث المعلة يرجع الكلام في تعليلها بنقد رواتها، وعلماء الجرح والتعديل يتفاوتون في هذا الباب، ولم يضعوا قواعد مطّردة في إعلال الأحاديث، بل كانوا ينظرون في القرائن التي تحفّ هذا الحديث أو ذلك، كما أنهم قد يردّون حديثًا لأحد الرواة، ولكنهم يقبلون له حديثا آخر، فالمسألة اجتهادية، ولا أعلم سلفًا لمن يقول بالتفريق بين منهج المتقدمين والمتأخرين، وهذا القول مُحْدَث، فإن أصول الحديث واحدة، وعلماء العلل هم أنفسهم على ثلاثة أقسام ذكرها الذهبي في"ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (ص 171 - 172) بقوله:
"قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث ويلين بذلك حديثه فهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بناجذيك وتمسك بتوثيقه وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه إن وافقه ولم يوثق ذلك أحد من الحذاق فهو ضعيف وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل تجريحه إلا مفسرا يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا هو ضعيف ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه وهو إلى الحسن أقرب، وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون."
-وقسم في مقابلة هؤلاء كأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون.