"لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه! وهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح، فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما، ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق".
وقد فرّق الترمذي بين الحديث الحسن لذاته، والحسن لغيره، فإنه يقول في الحديث الحسن لذاته"حديث حسن غريب"، أي: لا يروى إلا من وجه واحد، وأما إذا كان الحديث حسنًا لغيره فلا يذكر الغرابة بل يطلقه بلا قيد، وهذا معناه أنه تقوى بمجموع طرقه، كما نصّ على ذلك في"العلل الصغير"بقوله:"كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذا ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن".
قال الحافظ في"الأسئلة الفائقة بالأجوبة اللائقة" (ص 66) :
"فقوله (لا يكون راويه متهما بالكذب) يشمل رواية المستور، والمدلس والمغفل والمعنعن، والمنقطع بين ثقتين حافظين، كالمرسل، فكل هذا إذا ورد اقتضى التوقف في الاجتماع به للجهل بحال المذكور فيه، أو الساقط، فإن ورد مثله، أو معناه من طريق أخرى، أو أكثر فإنها ترجح أحد الاحتمالين، لأن المستور مثلًا حيث يروي يحتمل أن يكون ضبط المروي، ويحتمل أن لا يكون ضبطه، فإذا ورد مثل ما رواه، أو معناه من وجه آخر غلب على الظن أنه ضبط، وكلما كثر المتابع قوي الظن كما في أفراد التواتر، فإن أولها من رواية الأفراد، ثم لا تزال تكثر إلى أن يقطع بصدق المروي، ولا يستطيع سامعه أن يدفع ذلك عن نفسه".