ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح من السعي المشكور والعمل المبرور ما كان من أسباب حفظ الدين، وصيانته عن إحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات، منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الفقه فيه والمعرفة بمعانيه"."
ولم يزل علماء الحديث يجتهدون، فمنهم من صنّف في"المسانيد"، ومنهم من صنّف في"الصحاح"، ومنهم من جمع غالب الأحاديث الحسان، ومنهم من صنّف في"المعاجم"، ومنهم من استخرج أحاديث بأسانيد لنفسه، من غير طريق صاحب الكتاب، ومنهم المستدرك على صاحبي الصحيحين بأسانيد على شرطهما أو أحدهما، أو ما يصححه المستَدرِكُ وإن لم يكن على شرط واحد منهما، فلم يقلد المحدثون أحدًا في هذا بل كانوا مجتهدين، كلٌ منهم يخدم السنة إلى أبلغ منتهاه، وهم في تصحيحهم للأحاديث أو تضعيفها مجتهدون مأجورون، فيصحح مسلم ما لا يراه غيرُه صحيحًا، ويحسّن الترمذي ما يراه غيرُه ضعيفًا، ويعل البخاري حديثًا بالوقف أو الإرسال فبينما يراه أحدهم أنه مرفوعٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"منهاج السنة"7/ 215:
"وكذلك التصحيح لم يقلد أئمة الحديث فيه البخاري ومسلما، بل جمهور ما صححاه كان قبلهما عند أئمة الحديث صحيحا متلقى بالقبول، وكذلك في عصرهما وكذلك بعدهما قد نظر أئمة هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على تصحيح ما صححاه، إلا مواضع يسيرة، نحو عشرين حديثا، غالبها في مسلم، انتقدها عليهما طائفة من الحفاظ، وهذه المواضع المنتقدة غالبها في مسلم، وقد انتصر طائفة لهما فيها، وطائفة قررت قول الْمُنْتَقِدَةِ".
قال الوادعي:
"بعض طلبة العلم لا يقبل من المتأخرين تصحيحًا ولا تحسينًا، ويقول إنهم متساهلون، والناس في المسألة طرفان ووسط."