ومَن ثمَّ قالوا: ينبغي للزَّائرِ أن يدنوَ من القبرِ قدرَ ما يدنو من صاحبِهِ في الحياةِ لو زارَه، ولا شكَّ أنَّ خلعَ النَّعلَيْن أيضًا من احترامِ الرَّجلِ عند الملاقاتِ والمجالسةِ خصوصًا في زمانِنا، فينبغي أن يفعلَه، وعليه جرى عملُ أهلِ الحرمَيْن الشَّريفَيْن، رزقنا اللهُ العودَ إليهما والإقامةَ مع الوفاةِ في أفضلهما (1) ، حيث يزورونَ مقابرَ المعلى والبقيعِ حفاةً مشاة. فافهَمْ ولا تسرعْ في الرَّدِ والقَبُول.
-مسألة -
إذا انقطعَ شسعُ النَّعلِ أو تَخَرَّق، ينبغي للمُتَنَعِّلِ أن يسترجع؛ لقولِهِ
تعالى: { بَشِّرِ الْصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالَوُا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون } (2) ، فإنَّ التَّنوينَ الدَّاخلةَ على المصيبةِ للتَّعليل: أي ولو مصيبةً قليلةً حقيرة.
وكذلك فعلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّم، وأمرَ به أصحابَه، ونقلَ نحو ذلك عن الصَّحابةِ ومَن بعدَهم، فعلينا اتِّباعهم.
فروى الطَّبَرَانِيُّ بسندٍ ضعيفٍ عن أبي أمامةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه قال: (اِنْقَطَعَ قِبَالُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وسلَّم، فَاسْتَرْجَع، فَقَالُوا: مُصِيبةٌ يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: مَا أَصَابَ المُؤْمِنُ مِمَّا يَكْرَه، فَهُو مُصِيبَةٌ) (3) .
وأخرجَ البَزَّارُ بسندٍ ضعيف، والبَيْهَقِيُّ في (( الشعب ) ): عن أبي هريرةَ رضيَ اللهُ تعالى عنه مرفوعًا: (إِذَا اِنْقَطَعَ شَسْعُ أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرِجِع، فَإِنَّهَا مِنَ المَصَائِب) (4) .
وأخرجَ البزّارُ بسندٍ ضعيفٍ عن شدّادِ بن أوسٍ مثله.
(1) رُزِقَ المؤلِّف زيارة الحرمين مرتين، أولهما في (1279هـ) مع والديه، وثانيهما: (1292هـ) . ينظر: (( الإمام عبد الحي ) ) (ص74-76) .
(2) من سورة البقرة، الآية (155-156) .
(3) في (( المعجم الكبير ) ) (8: 203) .
(4) في (( مسند البزار ) ) (8: 400) .