أَحَدهَا: أَنَّ رِوَايَة عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: لَا يُحْتَجّ بِهِ , وَقَالَ الْبُخَارِيّ: لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَد عَلَى حِفْظه , وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يُرْمَى بِالْقَدَرِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ , لَا مِنْ قَوْل عَائِشَة , كَمَا ذَكَره أَبُو دَاوُدَ وَغَيْره , قَالَ اللَّيْث عَنْ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِف الْعَشْر الْأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان , حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّه , ثُمَّ اِعْتَكَفَ أَزْوَاجه مِنْ بَعْده", فَالسُّنَّة فِي الْمُعْتَكِف - إِلَى آخِره , لَيْسَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ , وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيث فَقَدْ وَهِمَ.
الثَّالِث: أَنَّ غَايَته الدَّلَالَة عَلَى اِسْتِحْبَاب الصَّوْم فِي الِاعْتِكَاف , فَإِنَّ قَوْله"السُّنَّة"إِنَّمَا يُفِيد الِاسْتِحْبَاب. وَقَوْله"لَا اِعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْمٍ"نَفْيٌ لِلْكَمَالِ.
قَالَ الْمُوجِبُونَ: الْجَوَاب عَمًّا ذَكَرْتُمْ: أَمَّا تَضْعِيف عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق. فَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه , وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْن مَعِين وَغَيْره.
وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّهُ مِنْ قَوْل الزُّهْرِيّ , وَمَنْ أَدْرَجَهُ فَقَدْ وَهِمَ , فَجَوَابه مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدهمَا: أَنَّا لَوْ تَرَكْنَا هَذَا لَكَانَ مَا ذَكَرْتُمْ فَادِحًا , وَلَكِنْ قَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ عَطَاء عَنْ عَائِشَة قَالَتْ:"مَنْ اِعْتَكَفَ فَعَلَيْهِ الصَّوْم"فَهَذَا يُقَوِّي حَدِيث الزُّهْرِيّ.