إلى أن قال - ص 118 -: (وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه؛ بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى بيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه هو ما أخبر به الرب عن صفاته ... لا يعلم أحد معناه، ولا يعقل ولا يتدبر ولا يكون الرسول بين للنا ما نزل إليهم، ولا بلغ المبين؛ وعلى هذا التقدير فيكون كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي وليس في النصوص ما يناقض ذلك، لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به فيبقى هذا الكلام سد للباب الهدى، والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء، لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد) [1] .
فالتأويل والتفويض مذهبان باطلان وفيهما إلحاد في صفات الرب تبارك وتعالى.
قال بن عثيمين:(ومذهب التأويل باطل من وجوه:
1)أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
2)أنه صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره. والله تعالى خاطب الناس بلسان عربي مبين ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي والنبي صلى الله عليه وسلم خاطبهم بأفصح لسان البشر فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله عز وجل.
3)أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه؛ قول على الله بلا علم، وهو محرم لقوله تعالى: {قل إنما حم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ولقوله سبحانه: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان مسئولا} .
فالصارف لكلام الله تعالى ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا نا ليس له به علم وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله تعالى ورسوله كذا مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام. وإذا كان المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فمنا ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟
مثال ذلك قوله تعالى لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ} فإذا صرف الكلام عن ظاهره وقال لم يرد باليدين اليدين الحقيقتين وإنما أراد كذا وكذا قلنا لهم ما دليلك على ما نفيت وما دليلك على ما أثبت فإن أتى بدليل - وأنى له ذلك- وإلا كان قائلًا على الله بلا علم بنفيه وإثباته.
4)أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها فيكون باطلًا لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها) [2] .
الصفات التي أولها البيجوري:
بعد بيان مذهب السلف في صفات الله عز وجل وأنها حق على ظاهرها من غير تشبيه، نرى تأويل البيجوري لبعض صفات الله وما هو موقف السلف من هذه الصفات.
1)أوّل البيجوري الفوقية بالعظمة وزعم أن فوقية الذات تستلزم التشبيه.
وأوّل الاستواء بالاستيلاء.
وإليك فهم السلف لقول الله فيهما:
(1) "11"القواعد المثلى 36.
(2) "12"انتهى باختصار القواعد المثلى40 - 43.