الصفحة 21 من 34

ثم سرد كلامًا طويلًا ... إلى أن قال: (فلما أيقن المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلقه سماواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، وعلموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء نحوه، فأقروا بوصفه بالاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز، لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك إذ ليس كمثله شيء) [1] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ثم من توهم أن كون الله في السماء - بمعنى أن الله في السماء تحيط به - فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحدًا يفهمه من اللفظ ولا رأينا أحد نقله عن واحد؛ ولو سئل سائل المسلمين هل يفهمون من قول الله ورسوله إن الله في السماء(أن السماء) تحويه، لبادر كل واحد منهم) ... إلى أن يقول: (هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا. وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئًا محالًا لا يفهمه الناس منه ثم يريد أن يتأوله؛ بل عند المسلمين أن معنى"الله في السماء وهو على العرش"واحد إذ السماء يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل) [2] .

وقد تقدم قول الإمام أبي الحسن الأشعري في هذا، وقوله أن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد قدمنا أقوال السلف في نفي هذا التأويل الباطل.

وممن قال كذلك في هذا النفي:

قال محمد بن أحمد بن النضر: (كان أبو عبدالله جارنا وكان ليله أحسن ليل، وذكر لنا أن ابن أبي داود سأله: أتعرف في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: لا أعرفه) [3] .

وقال داود بن علي: (كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبدالله، ما معنى قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} ؟ قال: هو على عرشه كما أخبر، فقال الرجل: ليس كذلك؛ إنما معناه استولى. فقال: اسكت ما يدريك ما هذا؟ العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب، قيل استولى، والله تعالى لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر) [4] .

وبهذا يعلم أن قول من قال: أن الله في كل مكان ضلال مبين.

2)أوّل البيجوري صفة المجيء بأنه مجيء العذاب أو الملائكة.

وتقدم قول السلف في الصفات وأن الواجب على المؤمن أمررها واعتقادها من غير تأويل ولا تعطيل، فهذه صفة لله عز وجل قد نسبها لنفسه فقال سبحانه: {وجاء ربك والملك صفًا صفًا} فنحن نقول أن الله عز وجل يأتي كما يليق بجلاله وعظمته.

وقال سبحانه وتعالى: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة} .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها؛ وقال رحمه الله: ولو لم يتصف الله تعالى بالنزول والمجيء والإتيان وغير ذلك من صفات الأفعال التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم، لكان من يتصف بذلك من خلقه أكمل منه وأتم، ولا يقول بهذا أحد، وفي القاعدة الكلامية المشهورة: أن كل كمال ثبت لمخلوق من غير أن يستلزم نقصًا بوجه من الوجوه فالخالق تبارك وتعالى أولى به من كل مخلوق. وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه وتعالى أولى بتنزهه عنه من كل موجود) [5] .

وكذلك صفة النزول هي من صفات الله تعالى حقيقة لا مجاز فهو تعالى ينزل ويجيء ويأتي على ما يليق بجلاله. وهي صفة ككل صفات الله عز وجل نقطع الطمع بإدراك كيفيتها.

وأما صفة الوجه واليد والأصابع، فهي صفات حق أخبر الله عز وجل في كتابه وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم عنها في كلامه، والقول فيها كالقول بباقي الصفات.

(1) "29"مختصر العلو 282 - 283.

(2) "30"العقيدة الحموية 158.

(3) "31"مختصر العلو 194 - 195.

(4) "32"مختصر العلو 195.

(5) "33"موافقة صريح المعقول 2/ 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت