وقال رحمه الله:(إن قال قائل: ما تقول في الاستواء؟ قيل: تقول له: إن الله مستو على العرش كما قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} ... وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} أنه استولى وقهر وملك، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه - كما قال أهل الحق - وذهبوا في الاستواء للقدرة ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء - وهو سبحانه مستولٍ على الأشياء كلها- لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستولٍ عليها، وإذا كان قادر على الأشياء كلها - ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله عز وجل مستو على الحشوش والأخلية- لم يجيز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها فوجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها.
وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله عز وجل في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا) [1] .
وقال أبو نصر السجزي: (وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه في كل مكان) [2] .
وقال الإمام القرطبي في قوله تعالى: {ثم استولا على العرش} : (وقد كان السلف الأول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك؛ بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه من أعظم المخلوقات، وإنهما جهلوا كيفية الاستواء فإنها لا تعلم حقيقته) [3] .
وقال ابن خزيمة: (من لم يقل أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة) .
وقال الإمام البخاري عند قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء} : (قال أبوالعالية الرياحي: استوى إلى السماء أي ارتفع، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش) [4] .
وقال الدارمي في"الرد على الجهمية"بعدما ساق حديث الجارية: (ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا دليل على أن الرجل إذا لم يعلم أن الله عز وجل في السماء دون الأرض فليس بمؤمن ولو كان عبدًا فأعتق لم يجز في رقبة مؤمنة، إذ لا يعلم أن الله في السماء) [5] .
وقال حماد بن زيد: (إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله) [6] - يعني الجهمية -
معنى قولهم: إن الله في السماء:
قال أبو بكر محمد بن موهب المالكي في شرحه لرسالة الإمام أبي محمد بن أبي زيد: (أما قوله: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، فمعنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد. وفي الكتاب والسنة تصديق ذلك، وهو قوله تعالى: {ثم استوى على العرش} . وقال: {الرحمن على العرش استوى} وقال: {يخافون ربهم من فوقهم} ) .
وساق حديث الجارية والمعراج إلى سدرة المنتهى، إلى أن قال: (وقد تأتي لفظة"في"في لغة العرب بمعنى فوق، كقوله تعالى: {فامشوا في مناكبها} و {في جذوع النخل} و {أأمنتم من في السماء} قال أهل التأويل - أي التفسير: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله في السماء، يعني فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد:(إنه فوق عرشه"ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته. إذ لا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، قد كان ولا مكان) ."
(1) "23"الإبانة 70 - 71.
(2) "24"اجتماع الجيوش الإسلامية 97.
(3) "25"الجامع لأحكام القرآن 7/ 219.
(4) "26"صحيح البخاري الفتح 13/ 404.
(5) "27"الرد على الجهمية 39.
(6) "28"مختصر العلو 146.