الصفحة 21 من 33

وفي رواية:"رأيتُ نورًا"يعني: الحجاب؛ فإن الله نور، وحجابه نور - سبحانه وتعالى، فعن أبى موسى الأشعري: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"حِجابُه النورُ، لو كشفه لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه" [1] .

الثانى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ربَّه ليلة المعراج، وهو ثابت عن ابن عباس، وأنس، وإليه ذهب عكرمة، والحسن، والربيع بن سليمان، وابن خزيمة، وكعب الأحبار، والزهري، وعروة بن الزبير، ومعمر، والأشعري، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ورجَّحه النووي؛ مستدلين بقوله - تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] .

والاستدلال بالآية فيه نظر؛ لأن المراد بالرؤية في الآية رؤية جبريل - عليه السلام - وهذا ما قاله قتادة، والربيع بن أنس [2] .

الثالث: التوقف في المسألة، وهو قول القاضي عياض، والقرطبي، وهذا القول بعيد؛ لأن القول بأحد القولين أولى؛ لوجود الدليل.

لكن من الممكن أن يقال: إن مَن أثبت الرؤية، فهو محمول على الرؤية القلبية، كما هو ثابت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"رآه بقلبه"، وفي رواية:"رآه بفؤاده مرتين" [3] .

وهذا ما رجَّحه ابن حجر، وهو ظاهر كلام ابن تيمية، حيث قال:"والألفاظ الثابتة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - هي مطلقة، أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ربَّه، وتارة يقول: رآه محمدٌ، ولم يثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لفظ صريح بأنه رآه بعينه" [4] . وبمثلِه أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية، والإفتاء.

قال الشيخ عبدالمحسن العباد:"الرؤية هي النعمة العظيمة، والفائدة الكبيرة، ولم يجعلْها الله لأحدٍ في الدنيا حتى تبقَى غيبًا، وحتى يستعدَّ كل مسلم للظفر بها والحصولِ عليها، كما أن أمور الآخرة قد أخفاها الله - عز وجل - عن الناس، ولم يُطلِعهم عليها، ولا على ما في الجنة من النعيم، ولما صلَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالناس صلاةَ الكسوف، عُرِضت عليه الجنة، وهو يصلي بالناس، ورأى عناقيد العنب متدلية، فمدَّ يده؛ ليتناول قِطفًا منها، وكان الصحابة وراءه يصلُّون، فرَأَوا يدَه الكريمة تمتد، ولم يروا الذي مُدَّت إليه، ثم إنه عُرِضت عليه النار، فرجع القَهْقَرى ولم يَعرِفُوا لماذا فعل ذلك؟! ولما فَرَغ سألوه عن ذلك، فقال - عليه الصلاة والسلام -"

(1) رواه مسلم (179) .

(2) تفسير ابن كثير (3/ 440) ، وكذا التحرير والتنوير (27/ 101) .

(3) رواه مسلم (176) .

(4) مجموع الفتاوى (6/ 509) ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت