الصفحة 3 من 32

الحمد لله الذي أمر بطلب الرزق بقوله: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك آية 15] ، أحمده أعظم الحمد وأكمله وأجله على ما أولانا به من نعمة الإيمان، وأكرمنا به من النعم والإحسان، وأن جعل العمل مع النية الصالحة عبادة للملك الديان، والصلاة والسلام على صاحب اللواء المحمود محمد القائل: (( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ) ) [1] وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد أمرنا الله تعالى في الآية السابقة بالسعي في الأرض عملا بالمكاسب والتجارات؛ لطلب رزقه تعالى، فالمال مال الله وأنت مأمور بالبحث عنه، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (( أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئا إلا أن ييسره الله لكم ) ) [2] ، وبما أن الأمر قد توجه من الله تعالى، إذًا لا بد من صاحب الأمر أن يؤجرك على امتثالك لأمره، وفعلا فقد قرر الإسلام أن التجارة _وغيرها_ إن كانت وفق الضوابط الشرعية فهي عبادة جهاد، مؤداها الحشر مع النبيين والصديقيين والشهداء كما بين النبي صلوات الله وسلا مه عليه وعلى آله.

من هنا اهتمت الشريعة بالمال وجعلته من سبل حماية الإنسان، وظهر هذا في مقاصد الشريعة الإسلامية التي تهدف إلى المحافظة على الضروريات الخمس، وعدت المال أحد هذه الضروريات، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وغاية هذه الضرورات جلب المصالح لهم، ودفع الضرر عنهم، فقد روى مسلم رحمه الله عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ... كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) ) [3] .

ولا يتم حفظ هذه الضرورة - أي ضرورة المال - إلا بعد معرفة الأحكام الشرعية الدالة على حفظ المال، لذا كثرت التشريعات الإسلامية لهذا المقصد، بل وسبقت كافة القوانين الوضعية.

هذا البحث جاء لبيان أهم تلك الضوابط والأخلاق والأحكام التي يلزم على التاجر أن يتعلمها، ثم يطبقها في حياته اليومية، جاء هذا البحث في وقت ندر فيه التاجر الصدوق الناصح الأمين الداعي إلى الله تعالى، حيث علم أن التجارة أحد أهم الوسائل الناجعة التي أوصلت الإسلام إلى ملايين الكفرة فدخلوا دين الله تعالى، كما حدث لبلاد ما وراء الهند، تحولت الكثير من تلك البلاد إلى بلا د مسلمة بسبب صدق حال التجار مع الله تعالى، أولئك التجار عاملوا الله تعالى قبل أن يعاملوا البشر، صدقوا مع الله تعالى قبل البدء في تجارتهم، لذلك أفلحوا في تبليغ دين الله تعالى، تلك البلاد كماليزيا وغيرها التي لم يصلها الفتح الإسلامي لم يدخلها من المسلمين التجار إلا النذر اليسير، فانظر إلى نتائج دعوتهم، من أشخاص معدودين صار اليوم مئات الملايين من المسلمين، واليوم دخل إلى أمريكا وغيرها من دول أوربا _دخل_

(1) رواه الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقال: حسن، سنن الترمذي، كتاب البيوع، بَاب ما جاء في التُّجَّارِ وَتَسْمِيَةِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إِيَّاهُمْ، 3/ 515، رقم 1209، المستدرك على الصحيحين 2/ 7، رقم 2143.

(2) تفسير ابن كثير 4: 398.

(3) صحيح مسلم 4/ 1986، رقم 2564، بَاب تَحْرِيمِ ظُلْمِ الْمُسْلِمِ وَخَذْلِهِ وَاحْتِقَارِهِ وَدَمِهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت