عشرة آلاف أضعاف أولئك التجار، ولكن لم تثمر جهودهم في دخول الناس في دين الله تعالى أفواجًا كما أثمرت جهود السابقين، أولئك الناس كانت دنياهم في أياديهم، وحب الله تعالى في قلوبهم، فسادوا على الدنيا.
كفى أمة الإسلام قائدا لها محمدا رسول الله صلى عليه وسلم حيث علم البشرية جمعاء في أول سنة له الصدق والأمانة في التجارة عندما تاجر بمال خديجة رضي الله عنها، فكان صدقه وأمانته السبب لجلب الخير الكثير له، وأول هذا الخير هو زواجه من خديجة رضي الله تعالى عنها.
لعل هذا البحث يكون لبنة تقوي جدار الإسلام المتصدع، فلعل الله تعالى ينفع به التجار ويكون عونا لهم في تجاراتهم إنه أكرم مسؤول وخير مجيب، والله ولي التوفيق.
خطة البحث ستكون بمشيئة الله تعالى على النحو التالي:
المبحث الأول: أخلاق التاجر وصفاته الإيجابية.
المبحث الثاني: واجبات التاجر تجاه نفسه ودينه
المبحث الثالث: آداب التاجر نحو الآخرين
المبحث الرابع: واجبات التاجر نحو المؤسسة التي يعمل بها
المبحث الخامس: آداب المسلم في الأسواق
المبحث السادس: واجبات التاجر نحو علمه المفروض عليه
جعل الله تعالى توفير أسباب السعي في الأرض من تجارة وغيرها نعمة تستوجب الشكر عليها، فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الحجر آية 20] .
ونظرًا لأهمية التجارة ومكانتها في أسباب السعي، ولكونها مستوجبة لمحبة الله ورضوانه؛ فقد جعلها الله تبارك وتعالى من ضمن السعي لابتغاء فضله، فقال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة آية 10] .
في هذه الآية أمر الله بالسعي والممارسة الفعلية عقب الصلاة [2] ، ثم قرن بها ذكره وعلق عليها رجاء الخير والفلاح.
وفي سورة المزمل يحدد الله تعالى نوعا من التجارة والتجار، ويذكرهم في معرض بيان بعض العبادات، فيقول: { ... فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المزمل آية 20] .
(1) وينظر آداب التاجر وشروط التجارة لأبي حذيفة إبراهيم محمد، مكتبة الصحابة بطنطا ط 1408 هـ ـ 1987 م، ص 14 بتصرف.
(2) الأمر هنا للإباحة والندب لا للوجوب.