الصفحة 5 من 32

وقد أمر الله تعالى في غير ما موضع من كتابه الكريم بالسعي على الرزق فقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك آية 15] .

وهذا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوجه أصحابه إلى شرف السعي، من خلال بيان منزلة التاجر الصدوق بقوله: (( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ) ) [1] .

وقال عمر رضي الله عنه: (( لا يقعدُ أحدُكم عن طلبِ الرزق، يقول: اللهمَّ ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً ) ) [2] .

وقال بعضهم:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ ... وَهُزِّي إلَيْكِ الْجِذْعَ يَسْقُطْ لَكِ الرُّطَبُ

وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيهِ مِنْ غَيْرِ هَزِّهَا ... جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ [3]

وينبغي هنا على التاجر أن لا يغيب عن ذهنه في حال من الأحوال، أن المال قوام الحياة الدنيوية، وعماد كثير من الأمور الدينية؛ فالزكاة ركن من أركان الإسلام، من جحدها كفر، ومن تركها تكاسلا فسق، ووجود النفقة من المال شرط من شروط وجوب الحج، وهذا الجهاد _وهو قتال الكفار من أجل تبليغ دين الله تعالى_ ذروة الإسلام وقوامه بالمال، والجهاد بالمال أحد أقسام الجهاد باعتبار المعنى الأعم له، والمال جزء من عملية الجهاد في معناه الأخص، بل إن العمل على تحصيل الرزق هو جهاد وعبادة، فقد روى الطبراني عن كَعْبِ بن عُجْرَةَ رضي الله عنه أنه قال: مَرَّ على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رَجُلٌ فَرَأَى أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! لو كان هذا في سَبِيلِ اللَّهِ؟! فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن كان خَرَجَ يَسْعَى على وَلَدِهِ صِغَارًا، فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كان خَرَجَ يَسْعَى على أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ، فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كان يَسْعَى على نَفْسِهِ يُعِفُّهَا، فَهُوَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كان خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً، فَهُوَ في سَبِيلِ الشَّيْطَانِ )) [4] .

إذًا فمع النية الصالحة من المسلم تميز عمله في تحصيل المال بأمرين: الأول: أن تحصيله جهاد، والثاني: أن إنفاقه جهاد، من هنا جاء السؤال على المال يوم القيامة مرتين، من أين حصله وفيم أنفقه؛ فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( لن تَزُولَ قَدَمَا عبدٍ يَومَ القِيَامَةِ حتى يُسأَلَ عن أربعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمْرِه فيما أَفْنَاهُ؟ وعن شَبَابِهِ فيما أبلاه؟ وعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اَكتسبه وفيما أَنْفَقَهُ؟ وعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فيه؟ ) ) [5] .

(1) رواه الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وتقدم تخريجه.

(2) إحياء علوم الدين 2/ 62.

(3) الآداب الشرعية والمنح المرعية لمحمد بن مفلح المقدسي، طباعة عالم الكتب 3/ 272.

(4) المعجم الكبير للطبراني 19/ 129، رقم 282، قال في مجمع الزوائد 4/ 325، (( رواه الطبراني في الثلاثة ورجال الكبير رجال الصحيح ) ).

(5) قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير [20/ 60] والبزار [رقم 3437] بنحوه، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير صامت بن معاذ وعدي بن عدي الكندي، وهما ثقتان» . مجمع الزوائد كتاب البعث، باب ما جاء في الحساب، 10/ 627، رقم (18373) . والحديث أخرجه بنحوه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح» سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب في القيامة 4/ 612، رقم (2417) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت