وإذا ما نظرت نظرة سريعة وجدت أن التجارة من أكثر المهن التي تدر الأرباح على أصحابها كما جاء في حديث عن نعيم بن عبد الرحمن رحمه الله أنه قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( تسعة أعشار الرزق في التجارة ) ) [1] ، وما ذلك إلا لكثرة أنواع التجارة وتغير السعر في السوق من زمن لآخر ومن مكان إلى لآخر، هذه الأسباب جعلت مهنة التاجر من أهم المهن وأشدها خطورة على المجتمع، من هنا عنيت الشريعة بوضع القواعد والضوابط والشروط لهذا الجانب الاقتصادي، والتي من شأنها أن تكفل استقامة ذلك الركن الخطير من الأركان التي يتوقف عليها _إلى حد كبير_ استقرار المجتمع الإسلامي، فكان على التاجر أن يتعلم الأحكام المتعلقة بتجارته، متخلقًا بالأخلاق والخصال الحميدة النبيلة، فمن لم يتعلم الأحكام الفقهية التي تخص تجارته وقع في الحرام أو في الشبهات، ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ رضي الله عنه يقول: سمعت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (( الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ من الناس، فَمَنْ اتقي الْمُشَبَّهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، ألا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا إِنَّ حِمَى اللَّهِ في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ ) ) [2] .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا بيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين.
وإذا عرفنا وجوب العلم على التاجر في مصلحته، فما هي أهم الأخلاق التي يلزم على التاجر أن يتحلى بها، إليك بيان ذلك.
أهم الأخلاق والصفات الإيجابية التي يجب على التاجر أن يتخلق بها [3] :
1 -الإخلاص: بحيث تكون البواعث التي تدفعه للعمل وإتقانه خالصة لله تعالى، و يظهر إخلاص التاجر في تجارته من خلال تحليه بالأمور التالية:
أ- حسن النية: بأن ينوي التاجر في تجارته طاعة الله تعالى؛ كأن ينوي إطعام من يعوله من ولد ووالد وزوجة، والاستعفاف عن السؤال، وينوي خدمة دين الله تعالى والمسلمين ... ، فهذا هو الجهاد بالمال الذي تحدثنا عنه في مقدمة البحث قال مطرف بن عبد الله رحمه الله تعالى: (( صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصحة النية ) ) [4] .
(1) المطالب العالية 7/ 352، رقم 1434، والحديث مرسل، انظر فيض القدير 3/ 245،المغني عن حمل الأسفار 1/ 419.
(2) صحيح البخاري 1/ 28، بَاب فَضْلِ من اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، رقم 52، صحيح مسلم 3/ 1219، رقم 1599، بَاب أَخْذِ الْحَلَالِ وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ.
(3) ينظر آداب التاجر وشروط التجارة لأبي حذيفة إبراهيم محمد، مكتبة الصحابة بطنطا ط 1408 هـ ـ 1987 م، ص 21 فما بعدها، ما لا يسع التاجر جهله للدكتور عبد الله المصلح، والدكتور صلاح الصاوي ص 7 فما بعدها، دليل التجار إلى أخلاق الأخيار ليوسف بن إسماعيل النبهانيص 27 فما بعدها، ط دار الجفان والجابي، أخلاقيات المهنة لرشيد عبد الحميد ومحمود الحياري ص 81 فما بعدها، ط 2، 1985 م، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي للدكتور يوسف القرضاوي ص 277 فما بعدها، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1417 هـ ـ 1996 م.
(4) حلية الأولياء 2/ 199.